مكلفون بالإيمان به وإلا لما كان في هذا الإخبار فائدة ولم يكن ليمدح هؤلاء بأنهم فعلوا شيئًا لم يكلفوا به، فلما أخبر بذلك إخبار المادح لهم دل ذلك على أنهم فعلوا ما كان يجب أن يفعلوه وهو الإيمان بالرسول وبالقرآن.
ثانيها: أنهم تعجبوا من هذا القرآن من بيانه وفصاحته وبلاغته ومعانيه وأخذه بمجامع القلوب وهذا فيه دليل على أن عندهم القدرة على الفهم والتذكر والاتعاظ والاعتبار والعقل، وهذا كافٍ في تكليفهم، فما المانع في تكليفهم وهم عقلاء يفهمون وقادرون على الامتثال.
ثالثها: التصريح بوقوع الإيمان منهم وذلك في قوله تعالى {فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} وهذا نص صريح قاطع في أنهم مكلفون بالإيمان بالرسول وبالقرآن، ومنهيون عن الشرك.
رابعها: في قوله تعالى {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} ولا يعرف الصالح من غيره إلا بمتابعة الرسل الذي بعثوا إليهم فمن تابع رسوله الذي بعث إليه فهو الصالح ومن خالف واستكبر فهو الطالح وهذا فيه دليل على أن منهم طائفة قد آمنوا برسولهم واتبعوا ما جاءوا به من الحق وهؤلاء هم الصالحون وهذا يدل على أنهم مكلفون.
خامسها: قوله تعالى {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} وهذا فيه دليل على أنهم مكلفون وأن المسلمين منهم هم الناجون وأما القاسطون المشركون فهم الخاسرون وكل ذلك دليل على أنهم مطالبون بالإسلام والإيمان ومنهيون عن الشرك والطغيان وبالجملة فسورة الجن من أولها إلى آخرها كلها أدلة على القول بتكليف الجن كما هو قول جماهير أهل الإسلام والله أعلم.