الصفحة 193 من 946

وأرضاهم (كلفنا من الأعمال ما نطيق) فقد أطلق الصحابة على الصلاة والصيام والجهاد والصدقة اسم التكليف وحيث أطلقه الصحابة فلا داعي للتشديد فيه، فقد سموه تكليفًا مع أنهم أكمل الأمة عقولًا وأشدها تعبدًا وأكملها إيمانًا، ويدل على الجواز مفهوم المخالفة في قوله تعالى {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} وقوله {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} فإن منطوق هذه الآية هو أنه جل وعلا لا يكلف النفس إلا ما كان داخلًا تحت وسعها وطاقتها, ويفهم منه أنه يكلف النفس بما هو في وسعها وفي حدود طاقتها فالتكليف في هذه الآيات مثبت ومنفي، فالمنفي هو التكليف بما ليس في وسع النفس، والمثبت هو التكليف بما هو في وسعها، وهذا واضح، فالأصل في هذا الإطلاق الجواز، ولو ذهبت تقلب كتب الأصول وكتب الفقه على مختلف مذاهبها لوجدت أهل العلم يعبرون عن هذه الأحكام الشرعية بقولهم: الأحكام التكليفية، فهو كالإجماع منهم على جواز ذلك، ولكن ومع القول بالجواز إلا أنه ينبغي التنبيه على أن الشرائع كلها هي قرة عيون المؤمنين وراحة قلوبهم وانشراح صدورهم وطمأنينة أرواحهم وغاية مطلوبهم، وسعادة عيشهم، وفرج همومهم وكروبهم، وأنها حياتهم الحقيقة التي لا يحيون إلا بها، فهي لهم بمثابة الماء للسمك، والمؤمنون يتفاوتون في استشعار ذلك تفاوتًا عظيمًا، فكلما ازداد إيمان العبد كلما ازداد إحساسه بذلك، ولذلك فإن العبادة تثقل على القلب والبدن كلما خلي القلب من الإيمان، فأثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر كما في الحديث وقال تعالى {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} وقال تعالى {وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ} وأما المؤمنون حقًا فإنهم لا يستثقلون شيئًا من التعبدات بل هي عندهم حياة ونور وروح وجنة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت