الثاني: أن الحكم الوضعي قد يدخل تحت القدرة إلا أن المكلف لم يؤمر بتحصيله كتحصيل النصاب لوجوب الزكاة، فإن الزكاة لا تجب إلا إذا بلغ المال الزكوي نصابًا لكن الشارع لم يأمر المكلف بتحصيل النصاب لتجب عليه الزكاة، وأما الحكم التكليفي فإنه لابد أن يكون مطلوبًا، إما مطلوب الفعل وإما مطلوب الترك وبناء على هذين الفرقين فأقول: كل حكم لا يدخل تحت قدرة المكلف فهو حكم وضعي وكل حكم لم يؤمر المكلف بفعله أو تركه فهو حكم وضعي.
الثالث: أن الخطاب في الحكم الوضعي إنما هو خطاب إخبار وإعلام فقط، وأما الخطاب في الحكم التكليفي فهو خطاب طلب، إما طلب فعل وإما طلب ترك وإما بالتخيير بينهما، فحقيقة الخطاب تختلف بين الحكمين.
الرابع: أن الحكم الوضعي مطلوب لغيره، وأما الحكم التكليفي فهو مطلوب لذاته، فالحكم الوضعي وسيلة تعريفية بالأحكام التكليفية، ذلك لأن الله جل وعلا قد ربط الأحكام التكليفية بالأحكام الوضعية فجعل الحكم الوضعي علامة على مطالبته بالحكم التكليفي، فإذا زالت الشمس فهذه علامة أنه يريد منا صلاة الظهر وإذا غربت فهو علامة أنه يريد منا صلاة المغرب وإذا دخل شهر رمضان بالرؤية أو بالإتمام فهو علامة أنه يريد منا صيامه، وإذا نزل الحيض على المرأة فهو علامة على تحريم الصلاة والصوم والوطء والطواف وإذا حصل سفر فهو علامة على استحباب القصر وغير ذلك من أحكام السفر وهكذا، وفائدة ذلك أن الشريعة مستمرة إلى قيام الساعة والنبي - صلى الله عليه وسلم - عمره قصير وسيموت فكيف يعرف المكلفون الأوقات التي يؤدون فيها العبادة أو يتركونها؟ فحرص الشارع على ربط الأحكام التكليفية بعلامات كونية وغيرها يعرفها الجميع أو الأغلب فهذه العلامات هي الأحكام الوضعية، وبه تعرف أن الحكم