وجزاه الله خير ما جزى عالمًا عن أمته، وهذه القاعدة المذكورة ترجع إلى قاعدة قد شرحناها في تلقيح الأفهام وأظنها القاعدة الأولى ونصها يقول (العبادات الواردة على وجوهٍ متنوعة تفعل على جميع وجوهها في أوقات مختلفة) ولكن بما أن هذه القاعدة يدخل تحتها العبادات الواجبة والعبادات المندوبة، خصصنا العبادات المندوبة بالذكر بالقاعدة المذكورة في أول الإجابة، فالسنة والمستحب أن لا تهمل من هذه الصفات صفة واحدة، ويرجع ترجيح ذلك إلى عدة أمور:-
الأمر الأول: أن هذا هو الأتبع للسنة وبه يحصل تمام الإقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه - صلى الله عليه وسلم - فعل هذا وهذا ولم يداوم على أحدها فتكون متابعته في ذلك بفعل هذا تارة وهذا تارة.
الثاني: أن ذلك يوجب اجتماع قلوب الأمة وائتلافها وزوال الفرقة عنها فقد يكون بعض الناس يعمل هذا النوع والصفة ويلازم عليها وبعضهم يعمل هذا ويلازم عليه فإذا فعل الإنسان الأمرين هذا مرة وهذا مرة حصل له بذلك تأليف قلوب هؤلاء وقلوب هؤلاء وخصوصًا إذا كان الفاعل مقتدىً به.
الثالث: أنه بذلك يخرج المستحب عن مشابهة الواجب لأن المداومة على نوع من المستحب تجعله مشابهًا للواجب ولهذا يشق على المداومين على نوع من أنواع العبادة المستحبة أن يفعلوا النوع الآخر.
الرابع: أن في ذلك تحصيلًا لمصلحة كل واحدٍ من تلك الأنواع فإن كل نوع لابد له من خاصية ومزية وبعض الناس قد يزيد إيمانًا إذا فعل نوعًا من الأنواع لكون قلبه يحضر عند فعله أكثر أو لكونه يفهم ألفاظه أكثر من غيره أو لكونه يناسب حاله أكثر من غيره.