بالماء، ويتخشعون في صلاتهم. فقال عند ذلك المقوقس: والذي يُحْلف به، لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالوها، ولا يقوى على قتال هؤلاء أحد، ولئن لم نغتنم صلحهم اليوم، وهم محصورون بهذا النيل، لم يجيبونا بعد اليوم إذا أمكنتهم الأرض، وقووا على الخروج من موضعهم فردّ إليهم المقوقس رسله، وقال: ابعثوا إلينا رسلًا منكم نعاملهم، ونتداعى نحن وهم إلى ما عسى أن يكون فيه صلاح لنا ولكم. فبعث عمرو بن العاص عشرة نفر، وأحدهم عبادة بن الصامت، وكان طوله عشرة أشبار، وأمره عمرو أن يكون متكلم القوم، وألا يجيبهم إلى شيء دعوه إلا إحدى هذه الثلاث الخصال (1) ؛ فإن أمير المؤمنين قد تقدم في ذلك إليّ، وأمرني ألا أقبل شيئًا سوى خصلة من هذه الثلاث الخصال. وكان عبادة بن الصامت أسود، فلما ركبوا السفن إلى المقوقس، ودخلوا عليه، تقدم عبادة، فهابه المقوقس لسواده، فقال: نحُّوا عني هذا الأسود، وقدموا غيره يكلمني. فقالوا: إن هذا الأسود أفضلنا رأيًا وعلمًا، وهو سيدنا وخيرنا، والمقدَّم علينا، وإنا نرجع جميعًا إلى قوله ورأيه، وقد أمّره الأمير دوننا بما أمره به، وأمرنا ألا نخالف رأيه وقوله. فقال المقوقس للوفد: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم، وإنما ينبغي أن يكون دونكم؟ قالوا: كلا: إنه وإن كان أسود كما ترى، فإنه من أفضلنا موضعًا وأفضلنا سابقة وعقلًا ورأيًا، وليس ينكر السواد فينا. فقال المقوقس لعبادة: تقدم يا أسود وكلمني برفق فإني أهاب سوادك، وإن اشتد علي كلامك، ازددت هيبة فتقدم إليه عبادة فقال: قد سمعت مقالتك، وإن فيمن خلَّفت من أصحابي ألف رجل أسود كلهم مثلي، وأشد سوادًا مني وأفظع منظرًا، ولو رأيتهم لكُنت أهيب لهم مني، وأنا قد ولّيت وأدبر شبابي، وإني مع ذلك بحمد الله ما أهاب مائة رجل من عدوي لو استقبلوني جميعًا، وكذلك أصحابي وذلك إنما رغبتُنا، وبغيتنا الجهاد في سبيل
(1) وهي التي تقدمت: وهي الإسلام أو الجزية أو القتال.