وعند بلبيس برز الروم في قوة كبيرة قاصدين صدّ عمرو عن التوجه نحو حصن بابليون وأرادوا منازلة المسلمين، فقال لهم عمرو رضي الله عنه لا تعجلونا حتى نعذر إليكم وليبرز إليّ أبو مريم وأبو مريام، وعندئذ كفوا عن القتال، وخرج إليه الرجلان، فدعاهما إلى الإسلام أو الجزية، وأخبرهما بوصية النبي - صلى الله عليه وسلم - بأهل مصر، بسبب هاجر أم اسماعيل: روى مسلم في صحيحه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إنّكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط (1) ، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمّة ورحمًا؛ أو قال: ذمة وصهرًا (2) ، فقالا: قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الأنبياء، آمِنّا حتى نرجع إليك. فقال عمرو: مثلي لا يُخدع: ولكني أوجلكما ثلاثًا لتنظرا فقالا: زدنا، فزادهما يومًا، فرجعا إلى المقوقس عظيم القبط (3) ، وأرطبون الوالي من قِبَل الروم، فأخبراهما خبر المسلمين، فأما أرطبون فأبى وعزم على الحرب، وبيّت المسلمين، فهزموه هو وجنده إلى الإسكندرية (4) ، ومما هو جدير بالذكر، ما يدل على شهامة المسلمين ومروءتهم أنه لما فتح الله على المسلمين (بلبيس) وجدوا فيها ابنة المقوقس واسمها (أرمانوسة) وكانت مقربة من أبيها، وكانت في زيارة لمدينة بلبيس مع خادمتها (بربارة) هربًا من زواجها من قسطنطين ابن هرقل (وهو فيما بعد والد قنسطتز) صاحب موقعة ذات الصواري وكانت غير راغبة في الزواج منه، ولما تمكنت مجموعة من الجيش الإسلامي من أسر أرمانوسة جمع عمرو بن العاص الصحابة وذكرهم بقوله تعالى: { هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلاَّ الإحْسَانُ (60) } (الرحمن،آية:60) . ثم قال: لقد أرسل المقوقس هدية إلى نبينا وأرى أن نبعث إليه بابنته وجميع من أسرناهم من جواريها وأتباعها،
(1) القيراط: معيار في الوزن وفي القياس، اختلفت مقاديره باختلاف الأزمنة.
(2) مسلم، ك فضائل الصحابة رقم 2543 .
(3) البداية والنهاية (7/100) .
(4) فتح مصر ص24 .