وهذا الخبر يوقفنا على الينبوع المتدفق، الذي استمد منه عمر علمه وتربيته وثقافته، وهو كتاب الله الحكيم، الذي كان ينزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منجمًا على حسب الوقائع والأحداث، وكان الرسول يقرأه على أصحابه، الذين وقفوا على معانيه، وتعمقوا في فهمه، وتأثروا بمبادئه، وكان له عميق الأثر في نفوسهم وعقولهم وقلوبهم وأرواحهم وكان عمر واحدًا من هؤلاء الذين تأثروا بالمنهج القرآني في التربية والتعليم، وعلى كل دارس لتاريخ عمر وحياته أن يقف وقفة متأملة أمام هذا الفيض الرباني الصافي، الذي غذى المواهب وفجر العبقريات، ونمى ثقافة القوم، ونعني به القرآن الكريم، وقد حرص عمر منذ أسلم على حفظ القرآن وفهمه وتأمله، وظل ملازمًا للرسول يتلقى عنه ما أنزل عليه، حتى تم له حفظ جميع آياته وسوره، وقد أقرأه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعضه وحرص على الرواية التي أقرأه بها الرسول (1) وكان لعمر أحيانًا شرف السبق إلى سماع بعض آياته فور نزوله كما عني بمراجعة محفوظه منه (2) ، فقد تربى عمر رضي الله عنه على المنهج القرآني وكان المربي له - صلى الله عليه وسلم - وكانت نقطة البدء في تربية عمر هي لقاءه برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فحدث له تحول غريب واهتداء مفاجئ بمجرد اتصاله بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فخرج من دائرة الظلام إلى دائرة النور، واكتسب الإيمان، وطرح الكفر، وقوي على تحمل الشدائد، والمصائب في سبيل دينه الجديد وعقيدته السمحة، كانت شخصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المحرك الأول للإسلام، وشخصيته - صلى الله عليه وسلم - تملك قوى الجذب والتأثير على الآخرين، فقد صنعه الله على عينه، وجعله أكمل صورة لبشر في تاريخ الأرض والعظمة دائمًا تحب، وتحاط من الناس بالاعجاب، ويلتف حولها المعجبون يلتصقون بها التصاقًا بدافع الاعجاب والحب، ولكن رسول الله - صلى الله
(1) نفس المصدر ص88 .
(2) نفس المصدر ص88 .