و كان كثير من السلف يعرض لهم بالمال الحلال، فيقولون: لا نأخذه، نخاف أن يفسد علينا ديننا، وكان حماد بن سلمة إذا فتح حانوته وكسب حبتين قام، وكان سعيد بن المسيب يتجر في الزيت، وخلف أربعمائة دينار، وقال: إنما تركتها لأصون بها عرضي وديني .
وقال الشافعي في ذم الدنيا و التمسك بهاوما هى إلا جيفة مستحيلة عليها كلاب همهن اجتذابها فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها وان تجتذبها نازعتك كلابها.
وكان أبو سليمان الداراني يقول:"كل ما شغلك عن الله، من أهل ومال وولد فهو مشؤوم طويت الدنيا عمن هم أفضل منا"
ففى"صحيح مسلم"من حديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مضطجع على حصير، وإذا الحصير قد أثر على جنبه، فنظرت في خزانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا أنا بقبضة من شعير، نحو الصاع . وفى رواية البخاري: فوالله ما رأيت شيئًا يرد البصر . والحديث مشهور في"صحيح مسلم".
للزاهد ثلاث علامات
الأولى: أن لا يفرح بموجود، ولا يحزن بمفقود، كما قال تعالى ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) [ الحديد: 23 ] وهذا علامة الزهد في المال .
الثاني: أن يستوي عنده ذامه ومادحه، وهذه علامة الزهد في الجاه .
الثالث: أن يكون أنسه بالله، والغالب على قلبه حلاوة الطاعة . فأما محبة الدنيا ومحبة الله تعالى، فهما في القلب كالماء والهواء في القدح، إذا دخل الماء خرج الهواء، فلا يجتمعان .
قيل لبعضهم: إلام أفضى بهم الزهد ؟ قال: إلى الأنس بالله .
قال يحيى بن معاذ: الدنيا كالعروس، ومن يطلبها يحرص على زينتها و الزاهد يسخم أي يسود وجهها، وينتف شعرها، ويخرق ثوبها، والعارف مشتغل بالله تعالى عنها.