و من طالع حياة سيد الأولين و الآخرين علم كيف كان صلى الله عليه و سلم يرقع ثوبه، و يخصف نعله، و يحلب شاته، و ما شبع من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض، و كان لربما ظل اليوم يتلوى لا يجد من الدقل (ردئ التمر) ما يملأ بطنه، و في غزوة الأحزاب ربط الحجر على بطنه من شدة الجوع، و يمر على أهله الهلال ثم الهلال ثم الهلال لا يوقد في بيتهم النار، طعامهم الأسودان: التمر و الماء، و كان يقول: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار و المهاجرة) .
فقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم:"إن ربي عز وجل عرض علي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبًا فقلت لا يا رب ولكن أجوع يومًا وأشبع يومًا فأما اليوم الذي أجوع فيه فأتضرع إليك وأدعوك وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك وأثني عليك".
و عن عائشة رضي الله عنها قالت: (إنما كان فراش رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي ينام عليه أدمًا حشوه ليف) ، و أخرجت رضي الله عنها كساءً ملبدًا و إزارًا غليظًا فقالت: (قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم في هذين) .
عن عروة بن الزبير أن أم المؤمنين عائشة جاءها يومًا من عند معاوية ثمانون ألفًا، فما أمسى عندها درهم، قالت لها جاريتها: فهلا اشتريت لنا منه لحمًا بدرهم؟ قالت: لو ذكرتني لفعلت.
و قال ابن مسعود رضي الله عنه: الدنيا دار من لا دار له، و مال من لا مال له، و لها يجمع من لا علم له.
وكان الحسن ربما ذكر عمر فيقول:
والله ما كان بأولهم إسلاما ولا بأفضلهم نفقة في سبيل الله ، ولكنه غلب الناس بالزهد في الدنيا والصرامة في أمر الله ، ولا يخاف في الله لومة لائم .