""""""صفحة رقم 171""""""
اختلفوا في هذا فأفتى بعضهم بإرثه وبعضهم بعدم إرثه ، وسألني الشيخ بدر الدين من المصيب وهل تعرض للمسألة أحد من المصنفين ؟ فأجبت بأن الصواب مع من أفتى بعدم إرثه فإن ذلك مقتضى الدليل ومقتضى نصوص الأصحاب قاطبة ، ثم وجدت ذلك مصرحًا به وأنه لا خلاف فيه في مذهب الشافعي ، ومالك ، وأبي حنيفة وهو أصح الروايتين في مذهب أحمد بن حنبل فهذه ثلاثة أمور عقدت هذه الكراسة لبيانها وسميتها البدر الذي انجلى في مسألة الولا فأقول: أما بيان كونه مقتضى الدليل فمن وجهين: أحدهما قوله صلى الله عليه وسلّم: ( الولاء لحمة كلحمة النسب ) هذا الحديث هو عمدة الإرث بالولاء حيث شبه الولاء بالنسب وقد نص العلماء في هذا الحديث بخصوصه على أن المشبه دون المشبه به فجعلوا الولاء دون النسب في القوة قال السبكي: شبه صلى الله عليه وسلّم الولاء بالنسب والمشبه دون المشبه به ، وحينئذ فالقول بأن ابن العم يرث في هذه الصورة يؤدي إلى زيادة الولاء على النسب في القوة لأن ضابط الذي يرث بالولاء أن يكون بحيث لو مات المعتق يوم موت العتيق ورثه ، والمرأة لو ماتت وابن عم ولدها موجود لم يرثها بالإجماع فتوريثه بالولاء مع عدم توريثه بالنسب تقوية للولاء على النسب وهو خلاف ما اقتضاه الحديث ، الوجه الثاني أن الأدلة قامت على أنه لا يرث بالولاء إلا عصبة المعتق ولهذا لم يرث إلا أصحاب الفروض وعصبة عصبة المعتق ليسوا عصبة للمعتق فلم يدخلوا تحت هذا اللفظ ، وأمر ثالث وهو أن الأدلة قامت على أن الولاء لا يورث قال ابن الضباع في الشامل: لو كان الولاء يورث لكان الزوج والزوجة يرثانه وقد حصل الإجماع على أنهما لا يرثان الولاء ، وقال امام الحرمين في النهاية: أصل الباب أن عصبة المعتق لا يرثون الولاء كما يرثون الأملاك وحقوقها ، وإنما يرثون بالولاء بانتسابهم إلى المعتق ، فمقتضى العصوبة المحضة تقتضي توريثهم قال: والدليل على أنهم لا يرثون الولاء أن الولاء لو كان موروثًا لاقتضى القياس أن يستوي في استحقاقه بالإرث الرجال والنساء كسائر الحقوق ، وقال الرافعي: قوله صلى الله عليه وسلّم: ( الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب ) معناه قرابة وامتشاج كامتشاج النسب ، وقوله: لا يباع ولا يوهب يعني أن نفس الولاء لا ينقل من شخص إلى شخص بعوض وغير عوض كما أن القرابة لا تنقل ويروى النهي عن بيع الولاء وهبته ولذلك لا يورث الولاء لكن يورث به ، كما أن النسب لا يورث ويورث به ، ومما يدل عليه أنه لو كان الولاء موروثًا لاشترك في استحقاقه الرجال والنساء كسائر الحقوق ، انتهى كلام الرافعي ، وإذا لم يورث الولاء لم يرث عصبة عصبة المعتق شيئًا لأن عصبة المعتق ، إنما ورثوا بقرابتهم من المعتق لا بإرثهم الولاء الذي كان للمعتق ، وعصبة العصبة ليسوا بأقارب المعتق ولا ورثوا الولاء من العصبة فلم يرثوا شيئًا ، هذا مقتضى الدليل .
وأما بيان كون ذلك مقتضى نصوص الأصحاب فمن وجوه ؟ أحدها: إطباق الأصحاب على قولهم فإن لم يوجد المعتق بالاستحقاق لعصابته من النسب الذين يعصبون بأنفسهم ، فإن لم يوجد من عصبات المعتق أحد فالمال لمعتق المعتق ثم لعصاباته ثم لمعتق معتق