وليكن له أنفة من عدم ظهور الفضيلة مع طول المقام في المدارس ومصاحبة الفضلاء من أهلها وتكرر سماع الدروس فيها وتقدم غيره عليه بكثرة التحصيل وليطالب نفسه كل يوم باستفادة علم جديد ويحاسبها على ما حصله فيها ليأكل مقرره فيها حلالًا.
فإن المدارس وأوقافها لم تجعل لمجرد المقام والعشرة ولا لمجرد التعبد بالصلاة والصيام كالخوانك، بل لتكون معينة على تحصيل العلم والتفرغ له والتجرد عن الشواغل في أوطان الأهل والأقارب، والعاقل يعلم أن أبرك الأيام عليه يوم يزداد فيه فضيلة وعلمًا ويكسب عدوه من الجن والإنس كربًا وغمًا.
السادس:
أن يلزم أهل المدرسة التي يسكنها بإفشاء السلام وإظهار المودة والاحترام، ويرعى لهم حق الجيرة والصحبة والأخوة في الدين والحرفة لأنهم أهل العلم وحملته وطلابه.
ويتغافل عن تقصيرهم ويغفر زللهم ويستر عوراتهم ويشكر محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم.
فإن لم يستقر خاطره لسوء جيرتهم وخبث صفاتهم أو لغير ذلك فليرتحل عنها ساعيًا في جمع قلبه واستقرار خاطره، وإذا اجتمع قلبه فلا ينتقل من غير حاجة فإن ذلك مكروه للمبتدئين جدًا، وأشد منه كراهية تنقلهم من كتاب إلى كتاب كما تقدم، فإنه علامة على الضجر واللعب وعدم الفلاح.
السابع:
أن يختار لجواره إن أمكن أصلحهم حالًا وأكثرهم اشتغالًا وأجودهم طبعًا وأصونهم عرضًا؛ ليكون معينًا له على ما هو بصدده، ومن الأمثال الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق، والطباع سراقة، ومن دأب الجنس التشبه بجنسه.
والمساكن العالية لمن لا يضعف عن الصعود إليها أولى بالمشتغل وأجمع لخاطره إذا كان الجيران صالحين، وقد تقدم قول الخطيب: إن الغرف أولى بالحفظ.
وأما الضعيف والمتهم ومن يقصد الفتيا والاشتغال عليه فالمساكن السفلية أولى بهم.
والمراقي التي تقرب من الباب أو من الدهليز أولى بالموثوق بهم، والمراقي الداخلية التي يحتاج فيها إلى المرور بأرض المدرسة أولى بالمجهولين والمتهمين.