وينبغي أن يخاطب كلًا منهم لاسيما الفاضل المتميز بكنية ونحوها من أحب الأسماء إليه وما فيه تعظيم له وتوقير، فعن عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكني أصحابه إكرامًا لهم. وكذلك ينبغي أن يترحب بالطلبة إذا لقيهم وعند إقبالهم عليه ويكرمهم إذا جلسوا إليه ويؤنسهم بسؤاله عن أحوالهم وأحوال من يتعلق بهم بعد رد سلامهم، وليعاملهم بطلاقة الوجه وظهور البشر وحسن المودة وإعلام المحبة وإضمار الشفقة؛ لأن ذلك أشرح لصدره وأطلق لوجهه وأبسط لسؤاله، ويزيد في ذلك لمن يرجى فلاحه ويظهر صلاحه، وبالجملة فهم وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الناس لكم تبع وإن رجالًا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون على الدين فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرًا.
وكان البويطي يدني القُرَّاء ويقربهم إذا طلبوا العلم ويعرفهم فضل الشافعي رضي الله عنه وفضل كتبه ويقول: كان الشافعي يأمر بذلك ويقول: اصبر للغرباء وغيرهم من التلاميذ. وقيل: كان أبو حنيفة أكرم الناس مجالسة وأشدهم إكرامًا لأصحابه.
الباب الثالث في أدب المتعلم في نفسه
ومع شيخه ورفقته ودرسه
الباب الثالث
(في أدب المتعلم في نفسه ومع شيخه ورفقته ودرسه) (1)
وفيه ثلاثة فصول في آداب المتعلم:
وفي عشرة أنواع:
الأول:
أن يطهر قلبه من كل غش ودنس وغلّ وحسد وسوء عقيدة وخلق؛ ليصلح بذلك لقبول العلم وحفظه، والاطلاع على دقائق معانيه وحقائق غوامضه، فإن العلم ـ كما قال بعضهم ـ صلاة السر وعبادة القلب وقربة الباطن، وكما لا تصلح الصلاة التي هي عبادة الجوارح الظاهرة إلا بطهارة الظاهر من الحدث والخبث فكذلك لا يصح العلم الذي هو عبادة القلب إلا بطهارته عن خبث الصفات وحدث مساوئ الأخلاق ورديئها.
(1) ... العنوان من وضع المحقق.