فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 186

فلّله دَرُّ الصحابة ومَن تَبعهم بإحسان! ما أسرع استجابتَهم وحرصَهم على الجهاد! وواخَجْلَتاهُ منا! نحشُد مئاتِ المعاذير لدفع عشَرات الآيات والأحاديث ثم لنَتَسَاءلَ مُستنكرين:"لماذا الجهاد"؟! بينما أعرابيٌّ يَسمع آية واحدة أو حديثًا واحدًا من صحابي فيخرج لا يَلوي على شيء من متاع الدنيا.

ـ وهذا"مكحولٌ"من علماء التابعين كان يستقبل القِبلة ثم يَحلف/10/ أيمان أن الغزو واجب عليكم أيها المسلمون ثم يقول: إن شئتم لزدتكم: أي من الأَيمان [أخرجه عبد الرزاق5/ 174] .

ـ وهذا"سعيد بن المُسَيّب"رحمه الله من فقهاء المدينة السبعة، بل سيدهم، خرج إلى الغزو وقد ذهبَت إحدى عينيه، فقيل: إنك عليل! فقال: استنفَرَ الله الخفيف والثقيل، فإن لم يُمْكِنِّي الحربُ كَثَّرْتُ السَّوادَ وحَفِظْتُ المتاع [ذكره القرطبي8/ 151] ، أمّا نحن فنَحُثّ على تكثير سَواد كليات الشريعة والأزهر! رغم أن البلاد طفَحَتْ بالخِرِّيجين الذين يَخافون في الله لَومة كلِّ لائم إلا ما رحم ربي، وقليلٌ ما هم.

ـ بل إنك إن نظرتَ في تراجم السابقين لوجدْتَ أن أولَ ما يُذكَر في ترجمته:"شهِد الغزَواتِ كلَّها"، أو:"لمْ يتخلّف عن غزوة"، أو: ... ، فكان شهودُ الغزَوات مَفْخَرَةً، والتخلفُ مَنقصةً، أما اليوم فإن ذكروا مآثر فعلى قائمتها: أمضى حياته بالبِرّ والإحسان وبنى المسجد الفلاني، أو نشر العلم وصنف في"اليوم الآخر"، و"أوصاف الملائكة"، و"الجنة والنار".

ـ وهكذا استمرت سيرة الجهاد مع من تبعهم بإحسان كالعالم المجاهد"أسد بن الفرات"و"قُتيبة بن مسلم الباهلي"، و"محمد بن القاسم"فاتح السنْد، و"عُقبة بن نافع"إذ خاطب البحر: [والله لو أعلم أن وراءكَ أرضًا لَغَزَوتُها في سبيل الله] ، ونظر إلى السماء وقال: [يا ربِّ لولا هذا البحر لَمَضَيْتُ في البلاد مجاهدًا في سبيلك] . [راجع الكامل لابن الأثير] .

ـ ثم استمرت الأمجاد مع من تبعهم بإحسان، فأين نحن من"صلاح الدين"و"قُطُز"و"محمد الفاتح"الذي هيَّأ نفسه لفتح روما عاصمة إيطالية بعد أن فتح القسطنطينية، والذي دقَّت كنائس أوربة ثلاثة أيام متواصلة فرحًا بنبأ موته؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت