فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 97

نَبِيِّهِ مَا شَاءَ أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ؛ وَكَانَ مَقْصُودُهُ أَنَّهُمْ يُؤْجَرُونَ عَلَى الشَّفَاعَةِ وَهُوَ إنَّمَا يَفْعَلُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلَّا بِمَا شَاءَ } بَيَّنَ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مِنْ عِلْمِهِ إلَّا مَا عَلَّمَهُمْ إيَّاهُ كَمَا قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ: { لَا عِلْمَ لَنَا إلَّا مَا عَلَّمْتَنَا } فَكَانَ فِي هَذَا النَّفْيِ إثْبَاتُ أَنَّ عِبَادَهُ لَا يَعْلَمُونَ إلَّا مَا عَلَّمَهُمْ إيَّاهُ فَأَثْبَتَ أَنَّهُ الَّذِي عَلَّمَهُمْ لَا يَنَالُونَ الْعِلْمَ إلَّا مِنْهُ . فَإِنَّهُ: { الَّذِي خَلَقَ } { خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ } وَ { عَلَّمَ بِالْقَلَمِ } { عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } . ثُمَّ قَالَ: { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا } أَيْ لَا يُكْرِثُهُ وَلَا يُثْقِلُهُ . وَهَذَا النَّفْيُ تَضَمَّنَ كَمَالَ قُدْرَتِهِ فَإِنَّهُ مَعَ حِفْظِهِ لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَثْقُلُ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَمَا يَثْقُلُ عَلَى مَنْ فِي قُوَّتِهِ ضَعْفٌ . وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ } فَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ مَسِّ اللُّغُوبِ . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ اللُّغُوبُ الْإِعْيَاءُ وَالتَّعَبُ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ } الْإِدْرَاكُ عِنْدَ السَّلَفِ وَالْأَكْثَرِينَ هُوَ الْإِحَاطَةُ . وَقَالَ طَائِفَةٌ هُوَ الرُّؤْيَةُ وَهُوَ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ نَفْيَ الرُّؤْيَةِ عَنْهُ لَا مَدْحَ فِيهِ فَإِنَّ الْعَدَمَ لَا يَرَى . وَكُلُّ وَصْفٍ يَشْتَرِكُ فِيهِ الْوُجُودُ وَالْعَدَمُ لَا يَسْتَلْزِمُ أَمْرًا ثُبُوتِيًّا فَلَا يَكُونُ فِيهِ مَدْحٌ إذْ هُوَ عَدَمٌ مَحْضٌ بِخِلَافِ مَا إذَا قِيلَ لَا يُحَاطُ بِهِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ . وَإِنَّ الْعِبَادَ مَعَ رُؤْيَتِهِمْ لَهُ لَا يُحِيطُونَ بِهِ رُؤْيَةً كَمَا أَنَّهُمْ مَعَ مَعْرِفَتِهِ لَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا وَكَمَا أَنَّهُمْ مَعَ مَدْحِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ لَا يُحِيطُونَ ثَنَاءً عَلَيْهِ ؛ بَلْ هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ . وَلِهَذَا قَالَ أَفْضَلُ الْخَلْقِ وَأَعْلَمُهُمْ: { لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك } وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا الْكَلَامُ عَلَى مَعْنَى كَوْنِ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَبَيَانِ أَنَّ الصَّوَابَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ . الْوَجْهُ الثَّالِثُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنْ يُقَالَ: قَوْلُ الْقَائِلِ"مَعْرِفَةُ أَفْعَالِهِ"إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ مَعْرِفَةَ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ فَهَذِهِ مِنْ تَمَامِ مَعْرِفَتِهِ وَيَبْقَى مَعْرِفَةُ وَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ وَقِصَصُ الْأُمَمِ الْمُؤْمِنَةِ وَالْكَافِرَةِ لَمْ يَذْكُرْهُ وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ مَعَانِي الْقُرْآنِ كَمَا لَمْ يَذْكُرْ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ . وَإِنْ جَعَلَ هَذِهِ مِنْ مَفْعُولَاتِهِ فَمَعْلُومٌ أَنَّ مَعْرِفَةَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالْقَصَصِ الْمَطْلُوبِ فِيهَا الْإِيمَانُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَزَاءِ الْأَعْمَالِ كَمَا أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ طَاعَتُهُ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمِنْ الْعَمَلِ الصَّالِحِ لِكُلِّ أُمَّةٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } . الْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنْ يُقَالَ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ نَفْيِ الْمَثَلِ عَنْهُ وَمِنْ نَفْيِ الْوِلَادَةِ مَذْكُورٌ فِي غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ فَلَمْ يَخْتَصَّ بِهَذَا الْمَعْنَى . الْوَجْهُ الْخَامِسُ أَنْ يُقَالَ: هَبْ أَنَّهَا تَضَمَّنَتْ التَّنْزِيهَ كَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فَمَعْرِفَةُ اللَّهِ لَيْسَتْ بِمَعْرِفَةِ صِفَاتِ السَّلْبِ بَلْ الْأَصْلُ فِيهَا صِفَاتُ الْإِثْبَاتِ وَالسَّلْبُ تَابِعٌ وَمَقْصُودُهُ تَكْمِيلُ الْإِثْبَاتِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ أَنَّ كُلَّ تَنْزِيهٍ مُدِحَ بِهِ الرَّبُّ فَفِيهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت