وَعَمَلِيٌّ قَصْدِيٌّ . فَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ اشْتَمَلَتْ عَلَى التَّوْحِيدِ الْعَمَلِيِّ نَصًّا وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى الْعِلْمِيِّ لُزُومًا . و { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } اشْتَمَلَتْ عَلَى التَّوْحِيدِ الْعِلْمِيِّ الْقَوْلِيِّ نَصًّا وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى التَّوْحِيدِ الْعَمَلِيِّ لُزُومًا . وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِهِمَا فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ أَيْضًا فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ بِآيَةِ الْإِيمَانِ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ { قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ } فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَآيَةِ الْإِسْلَامِ الَّتِي فِي آلِ عِمْرَانَ: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } . وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ صِفَاتِ التَّنْزِيهِ يَجْمَعُهَا هَذَانِ الْمَعْنَيَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: أَحَدُهُمَا نَفْيُ النَّقَائِصِ عَنْهُ وَذَلِكَ مِنْ لَوَازِمِ إثْبَاتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ فَمَنْ ثَبَتَ لَهُ الْكَمَالُ التَّامُّ انْتَفَى النُّقْصَانُ الْمُضَادُّ لَهُ وَالْكَمَالُ مِنْ مَدْلُولِ اسْمِهِ الصَّمَدِ . وَالثَّانِي أَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ الثَّابِتَةِ وَهَذَا مِنْ مَدْلُولِ اسْمِهِ الْأَحَدِ . فَهَذَانِ الِاسْمَانِ الْعَظِيمَانِ - الْأَحَدُ الصَّمَدُ - يَتَضَمَّنَانِ تَنْزِيهَهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وَعَيْبٍ وَتَنْزِيهِهِ فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مُمَاثِلٌ فِي شَيْءٍ مِنْهَا . وَاسْمُهُ الصَّمَدُ يَتَضَمَّنُ إثْبَاتَ جَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ إثْبَاتَ جَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَنَفْيَ جَمِيعِ صِفَاتِ النَّقْصِ فَالسُّورَةُ تَضَمَّنَتْ كُلَّ مَا يَجِبُ نَفْيُهُ عَنْ اللَّهِ وَتَضَمَّنَتْ أَيْضًا كُلَّ مَا يَجِبُ إثْبَاتُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: مِنْ اسْمِهِ الصَّمَدِ وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ مَا نُفِيَ عَنْهُ مِنْ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَالنُّظَرَاءِ مُسْتَلْزِمٌ ثُبُوتَ صِفَاتِ الْكَمَالِ أَيْضًا . فَإِنَّ كُلَّ مَا يُمْدَحُ بِهِ الرَّبُّ مِنْ النَّفْيِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَضَمَّنَ ثُبُوتًا بَلْ وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا يُمْدَحُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ مِنْ النَّفْيِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَضَمَّنَ ثُبُوتًا وَإِلَّا فَالنَّفْيُ الْمَحْضُ مَعْنَاهُ عَدَمٌ مَحْضٌ وَالْعَدَمُ الْمَحْضُ لَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ صِفَةَ كَمَالٍ . وَهَذَا كَمَا يَذْكُرُهُ سُبْحَانَهُ فِي آيَةِ الْكُرْسِيِّ مِثْلُ قَوْلِهِ: { اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ } فَنَفْيُ أَخْذِ السِّنَةِ وَالنَّوْمِ لَهُ مُسْتَلْزِمٌ لِكَمَالِ حَيَاتِهِ وقيوميته فَإِنَّ النَّوْمَ يُنَافِي القيومية وَالنَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ وَلِهَذَا كَانَ أَهْلُ الْجَنَّةِ لَا يَنَامُونَ . ثُمَّ قَالَ: { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ } فَنَفْيُ الشَّفَاعَةِ بِدُونِ إذْنِهِ مُسْتَلْزِمٌ لِكَمَالِ مُلْكِهِ ؛ إذْ كُلُّ مَنْ شَفَعَ إلَيْهِ شَافِعٌ بِلَا إذْنِهِ فَقَبِلَ شَفَاعَتَهُ كَانَ مُنْفَعِلًا عَنْ ذَلِكَ الشَّافِعِ فَقَدْ أَثَّرَتْ شَفَاعَتُهُ فِيهِ فَصَيَّرَتْهُ فَاعِلًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَكَانَ ذَلِكَ الشَّافِعُ شَرِيكًا لِلْمَشْفُوعِ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمَطْلُوبِ بِالشَّفَاعَةِ ؛ إذْ كَانَتْ بِدُونِ إذْنِهِ لَا سِيَّمَا وَالْمَخْلُوقُ إذَا شُفِعَ إلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَقَبِلَ الشَّفَاعَةَ فَإِنَّمَا يَقْبَلُهَا لِرَغْبَةِ أَوْ لِرَهْبَةِ: إمَّا مِنْ الشَّافِعِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَإِلَّا فَلَوْ كَانَتْ دَاعِيَتُهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ تَامَّةً مَعَ الْقُدْرَةِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى شَفَاعَةٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْإِلَهِيِّ: { يَا عِبَادِي إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي } . وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِالشَّفَاعَةِ إلَيْهِ فَكَانَ إذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ يَقُولُ: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ