فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 97

الثُّبُوتِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ فَهَذَا مُمْتَنِعٌ وَلَوْ قَدَّرَ إمْكَانَ ذَلِكَ أَوْ فَرَضَ الْعَبْدُ فِي نَفْسِهِ ذَاتًا مُجَرَّدَةً عَنْ جَمِيعِ الْقُيُودِ السَّلْبِيَّةِ وَالثُّبُوتِيَّةِ فَلَيْسَ ذَاكَ مَعْرِفَتُهُ بِاَللَّهِ أَلْبَتَّةَ وَلَا هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ذَاتٌ مُجَرَّدَةٌ عَنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلْبِيٍّ أَوْ ثُبُوتِيٍّ ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْعُقَلَاءِ هَذَا إلَّا الْقَرَامِطَةَ الْبَاطِنِيَّةَ يَقُولُونَ: يُسْلَبُ عَنْهُ كُلُّ أَمْرٍ ثُبُوتِيٍّ وَعَدَمِيٍّ فَلَا يُقَالُ مَوْجُودٌ وَلَا مَعْدُومٌ وَلَا عَالِمٌ وَلَا لَيْسَ بِعَالِمِ وَلَا قَادِرٌ وَلَا لَيْسَ بِقَادِرِ وَلَا نَحْوِ ذَلِكَ وَهَؤُلَاءِ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُمْ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ فَإِنَّهُمْ مُتَنَاقِضُونَ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ سَلْبَ النَّقِيضَيْنِ مُمْتَنِعٌ كَمَا أَنَّ جَمْعَهُمَا مُمْتَنِعٌ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ الْأَشْيَاءِ لَا مَوْجُودًا وَلَا مَعْدُومًا . وَأَمَّا تَنَاقُضُهُمْ لَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرُوا مَا ذَكَرُوا أَنَّهُ يُسْلَبُ عَنْهُ النَّقِيضَانِ بِبَعْضِ الْأُمُورِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا لِيُخْبِرَ عَنْهُ بِهَذَا السَّلْبِ وَأَيُّ شَيْءٍ قَالُوهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَضَمَّنَ نَفْيًا أَوْ إثْبَاتًا بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَتَضَمَّنَ إثْبَاتًا وَقَدْ بَسَطْنَا الرَّدَّ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَلِهَذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَلَاحِدَةِ لَا يَصِلُونَ إلَى هَذَا الْحَدِّ ؛ بَلْ يَقُولُونَ كَمَا قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ السجستاني وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَلَاحِدَةِ: نَحْنُ لَا نَنْفِي النَّقِيضَيْنِ بَلْ نَسْكُتُ عَنْ إضَافَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَيْهِ ؛ فَلَا نَقُولُ هُوَ مَوْجُودٌ وَلَا مَعْدُومٌ وَلَا حَيٌّ وَلَا مَيِّتٌ وَلَا عَالِمٌ وَلَا جَاهِلٌ . فَيُقَالُ لَهُمْ: إعْرَاضُ قُلُوبِكُمْ عَنْ الْعِلْمِ بِهِ وَكَفُّ أَلْسِنَتِكُمْ عَنْ ذِكْرِهِ لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ فِي نَفْسِهِ مُجَرَّدًا عَنْ النَّقِيضَيْنِ ؛ بَلْ يُفِيدُ هَذَا كُفْرَكُمْ بِاَللَّهِ وَكَرَاهَتَكُمْ لِمَعْرِفَتِهِ وَذِكْرِهِ وَعِبَادَتِهِ وَهَذَا حَقِيقَةُ مَذْهَبِكُمْ . وَمَنْ قَالَ مِنْ الْمَلَاحِدَةِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى التَّصَوُّفِ وَالتَّحْقِيقِ كَابْنِ سَبْعِينَ وَالصَّدْرِ القونوي وَغَيْرِهِمَا: إنَّهُ وُجُودٌ مُطْلَقٌ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ عَنْ كُلِّ وَصْفٍ ثُبُوتِيٍّ وَسَلْبِيٍّ فَهُوَ مِنْ جِنْسِ هَؤُلَاءِ . لَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ هُوَ وُجُودٌ مُطْلَقٌ فَيَخُصُّونَهُ بِالْوُجُودِ دُونَ الْعَدَمِ . ثُمَّ يَقُولُونَ هُوَ مُطْلَقٌ وَالْمُطْلَقُ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ عَنْ كُلِّ قَيْدٍ سَلْبِيٍّ وَثُبُوتِيٍّ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ . وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: الْوُجُودُ الْكُلِّيُّ الْمَقْسُومُ إلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ الَّذِي يَجْعَلُهُ الْفَلَاسِفَةُ مَوْضُوعَ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ وَيُسَمُّونَهُ"الْحِكْمَةَ الْعُلْيَا"وَ"الْفَلْسَفَةُ الْأُولَى"إنَّمَا يَكُونُ كُلِّيًّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ فَلَيْسَ فِي الْخَارِجِ قَطُّ وُجُودٌ هُوَ بِعَيْنِهِ وَاجِبٌ وَهُوَ بِعَيْنِهِ مُمْكِنٌ وَلَا وُجُودَ هُوَ نَفْسُهُ يَتَّصِفُ بِهِ الْوَاجِبُ وَهُوَ نَفْسُهُ يَتَّصِفُ بِهِ الْمُمْكِنُ ؛ بَلْ صِفَةُ الْوَاجِبِ تَخْتَصُّ بِهِ وَصِفَةُ الْمُمْكِنِ تَخْتَصُّ بِهِ وَوُجُودُ الْوَاجِبِ يَخُصُّهُ لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ وَوُجُودُ الْمُمْكِنِ يَخُصُّهُ لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ . وَلِهَذَا كَانَ كُلُّ مَا وَصَفَ بِهِ الرَّبُّ نَفْسَهُ مِنْ صِفَاتِهِ فَهِيَ صِفَاتٌ مُخْتَصَّةٌ بِهِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهَا مُشَارِكٌ أَوْ مُمَاثِلٌ فَإِنَّ ذَاتَه الْمُقَدَّسَةَ لَا تُمَاثِلُ شَيْئًا مِنْ الذَّوَاتِ وَصِفَاتُهُ مُخْتَصَّةٌ بِهِ فَلَا تُمَاثِلُ شَيْئًا مِنْ الصِّفَاتِ ؛ بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ أَحَدٌ صَمَدٌ { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } فَاسْمُهُ ( الْأَحَدُ دَلَّ عَلَى نَفْيِ الْمُشَارَكَةِ وَالْمُمَاثَلَةِ وَاسْمُهُ ( الصَّمَدُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِجَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ كَمَا بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ الْمُصَنَّفِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ . وَصِفَاتِ التَّنْزِيهِ كُلِّهَا ؛ بَلْ وَصِفَاتُ الْإِثْبَاتِ: يَجْمَعُهَا هَذَانِ الْمَعْنَيَانِ . وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ فِي التَّوْحِيدِ وَأَنَّهُ نَوْعَانِ: عِلْمِيٌّ قَوْلِيٌّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت