فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 97

وَمِمَّنْ ذَكَرَ"تَفْضِيلَ بَعْضِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ فِي نَفْسِهِ"أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرُهُمَا كَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الإسفرائيني وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَأَبِي إسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَمِثْلِ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَالْحَلْوَانِيِّ الْكَبِيرِ وَابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنِ عَقِيلٍ قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي"كِتَابِ الْوَاضِحِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ"فِي احْتِجَاجِهِ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يُنْسَخُ بِالسَّنَةِ قَالَ: فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } وَلَيْسَتْ السُّنَّةُ مِثْلَ الْقُرْآنِ وَلَا خَيْرًا مِنْهُ فَبَطَلَ النَّسْخُ بِهَا لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْمُحَالِ وَهُوَ كَوْنُ خَبَرِهِ بِخِلَافِ مُخْبِرِهِ وَذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ فَمَا أَدَّى إلَيْهِ فَهُوَ مُحَالٌ . قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: أَصْلُ اسْتِدْلَالِكُمْ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَيْرِ الْفَضْلُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا لَكُمْ وَذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ فِي حَقِّنَا: إمَّا سُهُولَةٌ فِي التَّكْلِيفِ فَهُوَ خَيْرٌ عَاجِلٌ أَوْ أَكْثَرُ ثَوَابًا لِكَوْنِهِ أَثْقَلَ وَأَشَقَّ وَيَكُونُ نَفْعًا فِي الْآجِلِ وَالْعَاقِبَةِ وَكِلَاهُمَا قَدْ يَتَحَقَّقُ بِطَرِيقِ السُّنَّةِ . وَيَحْتَمِلُ: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا لَا نَاسِخًا لَهَا بَلْ يَكُونُ تَكْلِيفًا مُبْتَدَأً هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقُهُ الْقُرْآنَ النَّاسِخَ وَلَا السُّنَّةُ النَّاسِخَةُ . قَالُوا: يُوَضِّحُ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ أَنَّ الْقُرْآنَ نَفْسَهُ لَيْسَ بَعْضُهُ خَيْرًا مِنْ بَعْضٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَصْرِفُوا اللَّفْظَ عَنْ ظَاهِرِهِ مِنْ خَيْرٍ يَعُودُ إلَى التَّكْلِيفِ لَا إلَى الطَّرِيقِ . وَقَالَ فِي الْجَوَابِ: قَوْلُهُمْ: الْخَيْرُ يَرْجِعُ إلَى مَا يَخُصُّنَا مِنْ سُهُولَةٍ أَوْ ثَوَابٍ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَقَالَ:"لَكُمْ". فَلَمَّا حَذَفَ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْإِطْلَاقُ وَهُوَ كَوْنُ النَّاسِخِ خَيْرًا مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ وَذَاتِهِ وَمِنْ جِهَةِ الِانْتِفَاعِ بِهِ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ عَلَى أَنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي: بِآيَاتِ خَيْرٍ مِنْهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يَعُودُ إلَى الْجِنْسِ كَمَا إذَا قَالَ الْقَائِلُ: مَا آخُذُ مِنْك دِينَارًا إلَّا أُعْطِيك خَيْرًا مِنْهُ لَا يُعْقَلُ بِالْإِطْلَاقِ إلَّا دِينَارًا خَيْرًا مِنْهُ فَيَتَخَيَّرُ مِنْ الْجِنْسِ أَوَّلًا ثُمَّ النَّفْعِ فَإِمَّا أَنْ يَرْجِعَ ذَلِكَ إلَى ثَوْبٍ أَوْ عَرَضٍ غَيْرِ الدِّينَارِ فَلَا وَفِي آخِرِ الْآيَةِ مَا يَشْهَدُ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْقُرْآنَ لِأَنَّهُ قَالَ: { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } وَوَصْفُهُ لِنَفَسِهِ بِالْقُدْرَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَأْتِي بِهِ هُوَ أَمْرٌ يَرْجِعُ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ { أَوْ مِثْلِهَا } يَشْهَدُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ يَقْتَضِي إطْلَاقَهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَنَّثَهَا تَأْنِيثَ الْآيَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: نَأْتِ بِآيَةِ خَيْرٍ مِنْهَا أَوْ بِآيَةِ مِثْلِهَا ."قُلْت": وَأَيْضًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْخَيْرِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ أَخَفَّ عَمَلًا أَوْ أَشَقَّ وَأَكْثَرَ ثَوَابًا لِأَنَّ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ ثَابِتَانِ لِكُلِّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مُبْتَدَأً وَنَاسِخًا فَإِنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ أَيْسَرَ مِنْ غَيْرِهِ فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَشَقَّ فَيَكُونُ ثَوَابُهُ أَكْثَرَ فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ لَازِمَةً لِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ لَمْ يُحْسِنْ أَنْ يُقَالَ مَا نَنْسَخُ مِنْ حُكْمٍ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهُ أَوْ مِثْلِهِ فَإِنَّ الْمَنْسُوخَ أَيْضًا يَكُونُ خَيْرًا وَمَثَلًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَإِنَّهُمْ إنْ فَسَّرُوا الْخَيْرَ بِكَوْنِهِ أَسْهَلَ فَقَدْ يَكُونُ الْمَنْسُوخُ أَسْهَلَ فَيَكُونُ خَيْرًا وَإِنْ فَسَّرُوهُ بِكَوْنِهِ أَعْظَمَ أَجْرًا لِمَشَقَّتِهِ فَقَدْ يَكُونُ الْمَنْسُوخُ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَ بِخَيْرٍ مِمَّا يَنْسَخُهُ أَوْ مِثْلِهِ فَلَا يَأْتِي بِمَا هُوَ دُونَهُ . وَأَيْضًا فَعَلَى مَا قَالُوهُ لَا يَكُونُ شَيْءٌ خَيْرًا مِنْ شَيْءٍ بَلْ إنْ كَانَ خَيْرًا مِنْ جِهَةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت