وَلَا رَيْبَ أَنَّ التَّمَاثُلَ أَوْ التَّفَاضُلَ لَا يُعْقَلُ إلَّا مَعَ التَّعَدُّدِ وَتَعَدُّدُ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتُهُ وَكَلِمَاتُهُ هُوَ الْقَوْلُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِفِطْرَةِ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ عَلَيْهَا عِبَادَهُ فَلِهَذَا كَانَ النَّاسُ يَتَخَاطَبُونَ بِمُوجِبِ الْفِطْرَةِ وَالشِّرْعَةِ وَإِنْ كَانَتْ لِبَعْضِهِمْ أَقْوَالٌ أُخَرُ تُنَافِي الْفِطْرَةَ وَالشِّرْعَةَ وَتَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ مَا يَقُولُهُ بِمُقْتَضَى الْفِطْرَةِ وَالشِّرْعَةِ فَإِنَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ قَدْ دَلَّا عَلَى تَعَدُّدِ كَلِمَاتِ اللَّهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } وَقَالَ تَعَالَى: { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ } وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ قَوْلَ السَّلَفِ وَأَنَّهُمْ كَانُوا يُثْبِتُونَ لِلَّهِ كَلِمَاتٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا ؛ وَبَيَّنَّا النِّزَاعَ فِي تَعَدُّدِ الْعُلُومِ وَالْإِرَادَاتِ وَأَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ يَقُولُ مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ النَّاسِ مِنْ تَعَدُّدِ ذَلِكَ وَأَنَّ الَّذِينَ قَالُوا يُرِيدُ جَمِيعَ الْمُرَادَاتِ بِإِرَادَةِ وَاحِدَةٍ إنَّمَا أَخَذُوهُ عَنْ ابْنِ كُلَّابٍ وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ قَالُوا: هَذَا مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ حَتَّى إنَّ مِنْ فُضَلَاءِ النُّظَّارِ مَنْ يُنْكِرُ أَنْ يَذْهَبَ إلَى هَذَا عَاقِلٌ مِنْ النَّاسِ لِأَنَّهُ رَآهُ ظَاهِرَ الْفَسَادِ فِي الْعَقْلِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ النُّظَّارِ . وَكَذَلِكَ مَنْ جَعَلَ نَفْسَ إرَادَتِهِ هِيَ رَحْمَتَهُ وَهِيَ غَضَبَهُ يَكُونُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك } مَعْنَاهُ يَكُونُ مُسْتَعِيذًا عِنْدَهُ بِنَفْسِ الْإِرَادَةِ مِنْ نَفْسِ الْإِرَادَةِ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ لِلْإِرَادَةِ صِفَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ يُسْتَعَاذُ بِهَا مِنْ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الْوَجْهِ مِنْهَا بِاعْتِبَارِ الْوَجْهِ الْآخَرِ . بَلْ الْإِرَادَةُ عِنْدَهُ لَهَا مُجَرَّدُ تَعَلُّقٍ بِالْمَخْلُوقَاتِ وَالتَّعَلُّقُ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ . وَهَذَا بِخِلَافِ الِاسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنْهُ لِأَنَّ لَهُ سُبْحَانَهُ صِفَاتٌ مُتَنَوِّعَةٌ فَيُسْتَعَاذُ بِهِ بِاعْتِبَارِ وَمِنْهُ بِاعْتِبَارِ . وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ ذَاتٌ لَا صِفَةَ لَهَا أَوْ مَوْجُودٌ مُطْلَقٌ لَا يَتَّصِفُ بِصِفَةِ ثُبُوتِيَّةٍ فَهَذَا يَمْتَنِعُ تَحَقُّقُهُ فِي الْخَارِجِ وَإِنَّمَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ هَذَا فِي الذِّهْنِ كَمَا تُقَدَّرُ الممتنعات فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ رَبًّا خَالِقًا لِلْمَخْلُوقَاتِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ . وَهَؤُلَاءِ أَلْجَأَهُمْ إلَى هَذِهِ الْأُمُورِ مُضَايَقَاتُ الجهمية وَالْمُعْتَزِلَةِ لَهُمْ فِي مَسَائِلِ الصِّفَاتِ فَإِنَّهُمْ صَارُوا يَقُولُونَ لَهُمْ: كَلَامُ اللَّهِ هُوَ اللَّهُ أَوْ غَيْرُ اللَّهِ ؟ إنْ قُلْتُمْ هُوَ غَيْرُهُ فَمَا كَانَ غَيْرُ اللَّهِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ وَإِنْ قُلْتُمْ هُوَ هُوَ فَهُوَ مُكَابَرَةٌ . وَهَذَا أَوَّلُ مَا احْتَجُّوا بِهِ عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَد فِي الْمِحْنَةِ فَإِنَّ الْمُعْتَصِمَ لَمَّا قَالَ لَهُمْ: نَاظِرُوهُ قَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إسْحَاقَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ - أَوْ قَالَ فِي كَلَامِ اللَّهِ - يَعْنِي أَهُوَ اللَّهُ أَوْ غَيْرُهُ ؟ فَقَالَ لَهُ أَحْمَد: مَا تَقُولُ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَهُوَ اللَّهُ أَوْ غَيْرُهُ ؟ فَعَارَضَهُ أَحْمَد بِالْعِلْمِ فَسَكَتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ . وَهَذَا مِنْ حُسْنِ مَعْرِفَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بِالْمُنَاظَرَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ . فَإِنَّ الْمُبْتَدِعَ الَّذِي بَنَى مَذْهَبَهُ عَلَى أَصْلٍ فَاسِدٍ مَتَى ذَكَرْت لَهُ الْحَقَّ الَّذِي عِنْدَك ابْتِدَاءً أَخَذَ يُعَارِضُك فِيهِ ؛ لِمَا قَامَ فِي نَفْسِهِ مِنْ الشُّبْهَةِ فَيَنْبَغِي إذَا كَانَ الْمَنَاظِرُ مُدَّعِيًا أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِهَدْمِ مَا عِنْدَهُ فَإِذَا انْكَسَرَ وَطَلَبَ الْحَقَّ فَأَعْطِهِ إيَّاهُ وَإِلَّا فَمَا دَامَ مُعْتَقِدًا نَقِيضَ الْحَقِّ لَمْ