قُلْت آيَاتُ الْقُرْآنِ نَوْعَانِ: عِلْمِيَّةٌ وَعَمَلِيَّةٌ وَفِي الْآيَاتِ مَا يَجْمَعُ الْأَمْرَيْنِ . وَأَبُو حَامِدٍ جَمَعَ الْعِلْمِيَّاتِ الْمُتَعَلِّقَةَ بِذَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ دُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقِصَصِ وَسَمَّاهَا"جَوَاهِرَ الْقُرْآنِ"وَجَمَعَ الْعَمَلِيَّاتِ وَسَمَّاهَا"دُرَرَ الْقُرْآنِ". وَجَعَلَ الشَّطْرَ الْأَوَّلَ مِنْ"الْفَاتِحَةِ"مِنْ الْجَوَاهِرِ وَالثَّانِي مِنْ الدُّرَرِ وَالْآيَاتُ الَّتِي تَجْمَعُ الْمَعْنَيَيْنِ يَذْكُرُهَا فِي أَغْلَبِ النَّوْعَيْنِ عَلَيْهَا . وَمَجْمُوعُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقِسْمَيْنِ رُبُعُ آيَاتِ الْقُرْآنِ نَحْوَ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ آيَةٍ . وَجَعَلَ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ سِتَّةَ أَصْنَافٍ: ثَلَاثَةُ أُصُولٍ وَثَلَاثَةُ تَوَابِعَ . فَذَكَرَ أَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ الْبَحْرُ الْمُحِيطُ وَمِنْهُ يَتَشَعَّبُ عِلْمُ الْأَوَّلِينَ والآخرين . وَقَالَ: سِرُّ الْقُرْآنِ وَلُبَابُهُ الْأَصْفَى وَمَقْصِدُهُ الْأَقْصَى دَعْوَةُ الْعِبَادِ إلَى الْجَبَّارِ الْأَعْلَى رَبِّ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى وَخَالِقِ السَّمَوَاتِ الْعُلَى وَالْأَرْضِينَ السُّفْلَى . فَالثَّلَاثَةُ الْمُهِمَّةُ: تَعْرِيفُ الْمَدْعُوِّ إلَيْهِ وَتَعْرِيفُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي تَجِبُ مُلَازَمَتُهُ فِي السُّلُوكِ إلَيْهِ وَتَعْرِيفُ الْحَالِ عِنْدَ الْوُصُولِ إلَيْهِ . وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ الْمَعْنِيَّةُ فَأَحَدُهَا: أَحْوَالُ الْمُجِيبِينَ لِلدَّعْوَةِ وَلَطَائِفِ صُنْعِ اللَّهِ فِيهِمْ وَسِرِّهِ وَمَقْصُودُهُ التَّشْوِيقُ وَالتَّرْغِيبُ . وَتَعْرِيفُ أَحْوَالِ النَّاكِبِينَ وَالنَّاكِلِينَ عَنْ الْإِجَابَةِ وَكَيْفِيَّةِ قَمْعِ اللَّهِ لَهُمْ وَتَنْكِيلِهِ بِهِمْ وَسِرِّهِ وَمَقْصُودُهُ الِاعْتِبَارُ وَالتَّرْهِيبُ . وَثَانِيهَا: حِكَايَةُ أَقْوَالِ الْجَاحِدِينَ . وَكَشْفِ فَضَائِحِهِمْ وَجَهْلِهِمْ بِالْمُجَادَلَةِ وَالْمُحَاجَّةِ عَلَى الْحَقِّ . وَمَقْصُودُهُ وَسِرُّهُ فِي جَنَبَةِ الْبَاطِلِ الْإِفْصَاحُ وَالتَّحْذِيرُ وَالتَّنْفِيرُ وَفِي جَنَبَةِ الْحَقِّ الْإِيضَاحُ وَالتَّثْبِيتُ وَالتَّقْرِيرُ . وَثَالِثُهَا: تَعْرِيفُ عِمَارَةِ مَنَازِلِ الطَّرِيقِ وَكَيْفِيَّةِ أَخْذِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَالْأُهْبَةِ لِلِاسْتِعْدَادِ . قُلْت: مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ أُصُولَ الْإِيمَانِ ثَلَاثَةٌ فَهُوَ حَقٌّ كَمَا ذَكَرَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ الثَّلَاثَةِ فِي كُلِّ مِلَّةٍ وَدِينٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } . وَنَحْوُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ . فَذَكَرَ هَذِهِ الْأُصُولَ الثَّلَاثَةَ: الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ . وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ الْأُخَرُ التَّابِعَةُ فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ . فَإِنَّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ أَحْوَالِ السُّعَدَاءِ وَالْأَشْقِيَاءِ فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ مِنْ تَفْضِيلِ الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ . وَمَا فِيهِ مِنْ عِمَارَةِ الطَّرِيقِ فَهُوَ مِنْ الْعَمَلِ الصَّالِحِ . وَمَا فِيهِ مِنْ الْمُجَادَلَةِ وَالْمُحَاجَّةِ فَذَاكَ مِنْ تَمَامِ الْإِخْبَارِ بِالثَّلَاثَةِ فَإِنَّهُ إذَا أَخْبَرَ بِالثَّلَاثَةِ ذَكَرَ الْآيَاتِ وَالْأَدِلَّةَ الْمُثْبِتَةَ لِذَلِكَ وَذَكَرَ شِبْهَ الْجَاحِدِينَ وَبَيَّنَ فَسَادَهَا . وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو حَامِدٍ ذَلِكَ فَقَالَ: الْقِسْمُ الْجَائِي لِمُحَاجَّةِ الْكُفَّارِ وَمُجَادَلَتِهِمْ وَإِيضَاحِ مَخَازِيهِمْ بِالْبُرْهَانِ الْوَاضِحِ وَكَشْفِ أَبَاطِيلِهِمْ وتخاييلهم . وَأَبَاطِيلُهُمْ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: [ الْأَوَّلُ ] ذِكْرُ اللَّهِ بِمَا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُهُ وَأَنَّ لَهُ وَلَدًا شَرِيكًا وَأَنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ . الثَّانِي ذِكْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ سَاحِرٌ وَكَاهِنٌ وَشَاعِرٌ وَإِنْكَارُ نُبُوَّتِهِ . وَثَالِثُهَا إنْكَارُ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَحْدُ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَإِنْكَارُ عَاقِبَةِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ . وَأَمَّا مَا فِيهِ مِنْ الْأَخْبَارِ بِأَحْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكُفَّارِ فِي الدُّنْيَا - وَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ