فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 97

إثْبَاتٌ وَلِهَذَا كَانَ قَوْلُ"سُبْحَانَ اللَّهِ"مُتَضَمِّنًا تَنْزِيهَ الرَّبِّ وَتَعْظِيمَهُ فَفِيهَا تَنْزِيهٌ مِنْ الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِصِ وَفِيهَا تَعْظِيمُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ . وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّالِثُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ مَنْ عَمِلَ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ كَانَ كَمَنْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَعْمَلْ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ فَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ وَمَا نَفَاهُ مِنْ الْمُعَادَلَةِ فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ مَنْ اعْتَبَرَ فِي مِقْدَارِ الْأَجْرِ كَثْرَةَ الْحُرُوفِ وَهُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ كَمَا قَدْ بُيِّنَ فِي مَوْضِعِهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَمَلَ بِهَا إنْ أَرَادَ بِهِ الْعَمَلَ الْوَاجِبَ مِنْ التَّصْدِيقِ بِمَضْمُونِهَا وَتَوْحِيدِ اللَّهِ فَهَذَا أَجْرُهُ أَعْظَمُ مِنْ أَجْرِ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ جُمْلَةً وَلَمْ يَعْمَلْ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ إنْ خَلَا عَنْ الْإِيمَانِ بِمَضْمُونِ الْقُرْآنِ فَهُوَ مُنَافِقٌ وَإِنْ خَلَا عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ فَهُوَ فَاسِقٌ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ عَشْر مَرَّاتٍ لَمْ يَكُنْ أَجْرُهُ مِثْلَ أَجْرِ الْمُؤْمِنِ الْمُتَّقِي . وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا الْأَجْرَ عَلَى الْإِيمَانِ بِمَضْمُونِهَا سَوَاءٌ قَرَأَهَا أَوْ لَمْ يَقْرَأْهَا وَالْأَجْرُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ هُوَ لِمَنْ قَرَأَهَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَرَأَهَا مَعَ الْإِيمَانِ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ . وَأَيْضًا فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ قِرَاءَتَهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَقَرَأَهَا عَلَى أَصْحَابِهِ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ: فَكَانَتْ قِرَاءَتُهُ لَهَا تَعْدِلُ قِرَاءَتَهُ هُوَ لِلثُّلُثِ . وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي جَعَلَ يُرَدِّدُهَا . وَكَذَلِكَ إخْبَارُهُ لَهُمْ بِأَنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ ثُلُثَهُ إذَا قَرَءُوهُ هُمْ لَمْ يَرِدْ بِهِ الثُّلُثُ إذَا قَرَأَهَا مُنَافِقٌ لَا يُؤْمِنُ بِمَعْنَى { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } . ثُمَّ إنَّ كَوْنَ الْمُرَادِ بِذَلِكَ مَنْ قَرَأَ الثُّلُثَ بِلَا إيمَانٍ بِهَا مَعْنًى لَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَى نَقِيضِهِ . وَهَذَا التَّأْوِيلُ وَأَمْثَالُهُ هُوَ مِنْ تَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ الَّذِي ذَمَّ اللَّهُ عَلَيْهِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْإِلْحَادِ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ وَجْهًا آخَرَ غَيْرَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ:"جَوَاهِرِ الْقُرْآنِ وَدُرَرِهِ"أَمَّا قَوْلُهُ: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ مَا أَرَاك تَفْهَمُ وَجْهَ ذَلِكَ فَتَارَةً تَقُولُ: ذَكَرَ هَذَا التَّرْغِيبَ فِي التِّلَاوَةِ وَلَيْسَ الْمَعْنَى بِهِ التَّقْدِيرَ وَحَاشَا مَنْصِبَ النُّبُوَّةِ عَنْ ذَلِكَ . وَتَارَةً تَقُولُ: هَذَا بَعِيدٌ عَنْ الْفَهْمِ وَالتَّأْوِيلِ فَإِنَّ آيَاتِ الْقُرْآنِ تَزِيدُ عَلَى سِتَّةِ آلَافِ آيَةٍ فَهَذَا الْقَدْرُ كَيْفَ يَكُونُ ثُلُثَهَا ؟ وَهَذَا لِقِلَّةِ مَعْرِفَتِك بِحَقَائِقِ الْقُرْآنِ وَنَظَرِك إلَى ظَاهِرِ أَلْفَاظِهِ فَتَظُنُّ أَنَّهَا تَعْظُمُ وَتَكْثُرُ بِطُولِ الْأَلْفَاظِ وَتَقْصُرُ بِقِصَرِهَا . وَذَلِكَ كَظَنِّ مَنْ يُؤْثِرُ الدَّرَاهِمَ الْكَثِيرَةَ عَلَى الْجَوْهَرَةِ الْوَاحِدَةِ نَظَرًا إلَى كَثْرَتِهَا . فَاعْلَمْ أَنَّ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ قَطْعًا وَتَرْجِعُ إلَى الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي مُهِمَّاتِ الْقُرْآنِ وَهِيَ: مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَمَعْرِفَةُ الْآخِرَةِ وَمَعْرِفَةُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ . فَهَذِهِ الْمَعَارِفُ الثَّلَاثَةُ هِيَ الْمُهِمَّةُ وَالْبَاقِي تَوَابِعُ . وَسُورَةُ الْإِخْلَاصِ تَشْتَمِلُ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ وَهِيَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَتَقْدِيسُهُ وَتَوْحِيدُهُ عَنْ مُشَارِكٍ فِي الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِنَفْيِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَالْكُفْءِ . وَالْوَصْفِ بِالصَّمَدِ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ السَّيِّدُ الَّذِي لَا يُقْصَدُ فِي الْوُجُودِ لِلْحَوَائِجِ سِوَاهُ . نَعَمْ لَيْسَ فِيهَا حَدِيثُ الْآخِرَةِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ . فَلِذَلِكَ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ . أَيْ ثُلُثَ الْأُصُولِ مِنْ الْقُرْآنِ كَمَا قَالَ: الْحَجُّ

عَرَفَةَ أَيْ هُوَ الْأَصْلُ وَالْبَاقِي تَبَعٌ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت