الْعِبَادِ يَعْلَمُ أَنَّهَا كَانَتْ مُقَدَّرَةً مَقْضِيَّةً عَلَيْهِ وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ . وَالْمُرَادُ هُنَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ بَيَّنَ أَنَّهُ إنَّمَا خَلَقَ الْمَخْلُوقَاتِ لِحِكْمَتِهِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: { بِالْحَقِّ } وَقَدْ ذَمَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ خَلَقَ ذَلِكَ بَاطِلًا وَعَبَثًا فَقَالَ: { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ } وَقَالَ: { أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى } وَقَالَ: { إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ } { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } فَلَا بُدَّ مِنْ جَزَاءِ الْعِبَادِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ فَلِهَذَا قِيلَ: { فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ } . وَلِلَّهِ سُبْحَانَهُ فِي كُلِّ مَا يَخْلُقُهُ حِكْمَةٌ يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَأَتْقَنَ كُلَّ مَا صَنَعَ فَمَا وَقَعَ مِنْ الشَّرِّ الْمَوْجُودِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ فَقَدْ وُجِدَ لِأَجْلِ تِلْكَ الْحِكْمَةِ الْمَطْلُوبَةِ الْمَحْبُوبَةِ الْمَرْضِيَّةِ فَهُوَ مِنْ اللَّهِ حَسَنٌ جَمِيلٌ وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَحْمُودٌ عَلَيْهِ وَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِنْ كَانَ شَرًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضِ الْأَشْخَاصِ . وَهَذَا مَوْضُوعٌ عَظِيمٌ قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنَّ النَّاسَ - فِي بَابِ خَلْقِ الرَّبِّ وَأَمْرِهِ وَلِمَ فَعَلَ ذَلِكَ - عَلَى طَرَفَيْنِ وَوَسَطٍ: فَالْقَدَرِيَّةُ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ قَصَدُوا تَعْظِيمَ الرَّبِّ وَتَنْزِيهَهُ عَمَّا ظَنُّوهُ قَبِيحًا مِنْ الْأَفْعَالِ وَظُلْمًا ؛ فَأَنْكَرُوا عُمُومَ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَلَمْ يَجْعَلُوهُ خَالِقًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَلَا أَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ بَلْ قَالُوا: يَشَاءُ مَا لَا يَكُونُ وَيَكُونُ مَا لَا يَشَاءُ ثُمَّ إنَّهُمْ وَضَعُوا لِرَبِّهِمْ شَرِيعَةً فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَيَحْرُمُ - بِالْقِيَاسِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ - وَتَكَلَّمُوا فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْوِيزِ بِهَذَا الْقِيَاسِ الْفَاسِدِ الَّذِي شَبَّهُوا فِيهِ الْخَالِقَ بِالْمَخْلُوقِ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا . وَقَابَلَهُمْ الجهمية الْغُلَاةُ فِي الْجَبْرِ فَأَنْكَرُوا حِكْمَةَ اللَّهِ وَرَحْمَتَهُ وَقَالُوا: لَمْ يَخْلُقْ لِحِكْمَةِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِحِكْمَةِ وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ"لَامُ كَيْ"لَا فِي خَلْقِهِ وَلَا فِي أَمْرِهِ . وَزَعَمُوا أَنَّ قَوْلَهُ { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا } و { خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا } وَقَوْلَهُ: { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى } وَقَوْلَهُ { وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ } وَقَوْلَهُ: { لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } - وَأَمْثَالَ ذَلِكَ - إنَّمَا اللَّامُ فِيهِ لَامُ الْعَاقِبَةِ كَقَوْلِهِ: { فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } وَقَوْلُ الْقَائِلِ:"لُدُّوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ". وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ لَامَ الْعَاقِبَةِ إنَّمَا تَصِحُّ مِمَّنْ يَكُونُ جَاهِلًا بِعَاقِبَةِ فِعْلِهِ كَفِرْعَوْنَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَدْرِي مَا يَنْتَهِي إلَيْهِ أَمْرُ مُوسَى أَوْ مِمَّنْ يَكُونُ عَاجِزًا عَنْ رَدِّ عَاقِبَةِ فِعْلِهِ كَعَجْزِ بَنِي آدَمَ عَنْ دَفْعِ الْمَوْتِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَالْخَرَابِ عَنْ دِيَارِهِمْ فَأَمَّا مَنْ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَهُوَ مُرِيدٌ لِكُلِّ مَا خَلَقَ: فَيَمْتَنِعُ فِي حَقِّهِ لَامُ الْعَاقِبَةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ نَفْيَ الْعِلْمِ أَوْ نَفْيَ الْقُدْرَةِ . وَأَنْكَرَ هَؤُلَاءِ مَحَبَّةَ اللَّهِ وَرِضَاهُ لِبَعْضِ الْمَوْجُودَاتِ دُونَ بَعْضٍ . وَقَالُوا الْمَحَبَّةُ وَالرِّضَا هُوَ مِنْ مَعْنَى الْإِرَادَةِ وَاَللَّهُ مُرِيدٌ لِكُلِّ مَا خَلَقَهُ فَهُوَ رَاضٍ بِذَلِكَ مُحِبٌّ لَهُ . وَزَعَمُوا أَنَّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ نَفْيِ حُبِّهِ وَرِضَاهُ بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي كَقَوْلِهِ: وَاللَّهُ لَا