قَطُّ بِالْقَدَرِ وَلَوْ عَذَرَ بِهِ لَكَانَ أَنْبِيَاؤُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِذَلِكَ وَآدَمُ إنَّمَا حَجَّ مُوسَى لِأَنَّهُ لَامَهُ عَلَى الْمُصِيبَةِ الَّتِي أَصَابَتْ الذُّرِّيَّةَ فَقَالَ لَهُ: لِمَاذَا أَخَرَجْتنَا وَنَفْسَك مِنْ الْجَنَّةِ ؟ وَمَا أَصَابَ الْعَبْدُ مِنْ الْمَصَائِبِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَ فِيهَا لِلَّهِ وَيَعْلَمَ أَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ } قَالَ عَلْقَمَةُ - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ -: هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ الْمُصِيبَةُ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ: فَالْعَبْدُ مَأْمُورٌ بِالتَّقْوَى وَالصَّبْرِ فَالتَّقْوَى فِعْلُ مَا أَمَرَ بِهِ وَمِنْ الصَّبْرِ الصَّبْرُ عَلَى مَا أَصَابَهُ وَهَذَا هُوَ صَاحِبُ الْعَاقِبَةِ الْمَحْمُودَةِ كَمَا قَالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { إنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } وَقَالَ تَعَالَى: { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } وَقَالَ: { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا } وَقَالَ: { بَلَى إنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ } . وَلَا بُدَّ لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْ أَنْ يَقَعَ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَيُبْتَلَى بِمَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى الصَّبْرِ فَلِهَذَا يُؤْمَرُ بِالصَّبْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ كَمَا قِيلَ لِأَفْضَلِ الْخَلْقِ: { فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ } وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى مُنَاظَرَةِ آدَمَ وَمُوسَى ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ حَمَلُوهَا عَلَى مُحَامِلَ مُخَالَفَةٍ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَذَّبَ بِالْحَدِيثِ لِعَدَمِ فَهْمِهِ لَهُ وَالْحَدِيثُ حَقٌّ يُوجِبُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا جَرَتْ عَلَيْهِ مُصِيبَةٌ بِفِعْلِ غَيْرِهِ مِثْلَ أَبِيهِ أَوْ غَيْرِ أَبِيهِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ أَبُوهُ قَدْ تَابَ مِنْهَا فَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ تَبِعَةٌ كَمَا جَرَى لِآدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى: { وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى } { ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى } وَقَالَ: { فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ } وَكَانَ آدَمَ وَمُوسَى أَعْلَمَ بِاَللَّهِ مِنْ أَنْ يَحْتَجَّ أَحَدُهُمَا لِذَنْبِهِ بِالْقَدَرِ وَيُوَافِقُهُ الْآخَرُ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ آدَمَ إلَى تَوْبَةٍ وَلَا أُهْبِطَ مِنْ الْجَنَّةِ وَمُوسَى هُوَ الْقَائِلُ: { رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي } وَهُوَ الْقَائِلُ: { رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } وَهُوَ الْقَائِلُ: { أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ } وَهُوَ الْقَائِلُ لِقَوْمِهِ: { فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ } فَلَوْ كَانَ الْمُذْنِبُ يُعْذَرُ بِالْقَدَرِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى هَذَا بَلْ كَانَ الِاحْتِجَاجُ بِالْقَدَرِ لَمَّا حَصَلَ مِنْ مُوسَى مَلَامٌ عَلَى مَا قُدِّرَ عَلَيْهِ مِنْ الْمُصِيبَةِ الَّتِي كَتَبَهَا اللَّهُ وَقَدَّرَهَا . وَمِنْ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ أَنْ يَعْلَمَ الْعَبْدُ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ فَالْمُؤْمِنُ يَصْبِرُ عَلَى الْمَصَائِبِ وَيَسْتَغْفِرُ مِنْ الذُّنُوبِ والمعائب وَالْجَاهِلُ الظَّالِمُ يَحْتَجُّ بِالْقَدَرِ عَلَى ذُنُوبِهِ وَسَيِّئَاتِهِ وَلَا يَعْذُرُ بِالْقَدَرِ مَنْ أَسَاءَ إلَيْهِ وَلَا يَذْكُرُ الْقَدَرَ عِنْدَ مَا يُيَسِّرُهُ اللَّهُ لَهُ مِنْ الْخَيْرِ فَعَكْسُ الْقَضِيَّةِ بَلْ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ إذَا عَمِلَ حَسَنَةً أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا نِعْمَةٌ مِنْ اللَّهِ هُوَ يَسَّرَهَا وَتَفَضَّلَ بِهَا فَلَا يَجِبُ بِهَا وَلَا يُضِيفُهَا إلَى نَفْسِهِ كَأَنَّهُ الْخَالِقُ لَهَا وَإِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً اسْتَغْفَرَ وَتَابَ مِنْهَا وَإِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ سَمَاوِيَّةٌ أَوْ بِفِعْلِ