يُحِبُّ الْفَسَادَ { وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ } مَحْمُولٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَوْ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهُ دِينًا يُثِيبُهُمْ عَلَيْهِ . وَزَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ وَلَا يَرْضَى مَا أَمَرَ بِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ إلَّا إذَا وَقَعَ فَيُرِيدُهُ كَمَا يُرِيدُ حِينَئِذٍ مَا وَقَعَ مِنْ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَالِهِمْ الْمَبْسُوطَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ يَظُنُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَهَذَا مِمَّا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا بَلْ جَمِيعُ مُثْبِتَةِ الْقَدَرِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَانُوا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا وَبَيْنَ الْإِرَادَةِ وَلَكِنْ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ اتَّبَعَ جَهْمًا فِي ذَلِكَ . قَالَ أَبُو الْمَعَالِي الجويني: وَمِمَّا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْحَقِّ فِي إطْلَاقِهِ وَعَدَمِ إطْلَاقِهِ الْمَحَبَّةَ وَالرِّضَا فَصَارَ الْمُتَقَدِّمُونَ إلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يُحِبُّ الْكُفْرَ وَلَا يَرْضَاهُ وَكَذَلِكَ كَلُّ مَعْصِيَةٍ . وَقَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْحَسَنِ: الْمَحَبَّةُ هِيَ الْإِرَادَةُ نَفْسُهَا وَكَذَلِكَ الرِّضَا وَالِاصْطِفَاءُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُرِيدُ الْكُفْرَ وَيَرْضَاهُ كُفْرًا قَبِيحًا مُعَاقِبًا عَلَيْهِ . وَهُوَ كَمَا قَالَ أَبُو الْمَعَالِي فَإِنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَرْضَى مَا نَهَى عَنْهُ وَلَا يُحِبُّهُ وَعَلَى ذَلِكَ قُدَمَاءُ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبِعَةِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد كَأَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرِهِ مِنْ قُدَمَائِهِمْ وَلَكِنَّ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ سَوَّى بَيْنَ الْجَمِيعِ كَمَا قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ قَوْلٌ لِجَهْمِ فَهُوَ الَّذِي قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْجَبْرِ وَبِمَا يُخَالِفُ أَهْلَ السُّنَّةِ وَأَنْكَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَكَانَ يَخْرُجُ إلَى الْجَذْمَى فَيَقُولُ: أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ يَفْعَلُ هَذَا ؟ فَنَفَى أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَقَدْ قَالَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ { لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا } . وَهَذِهِ مَسَائِلُ عَظِيمَةٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهَا . وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى الْجُمَلِ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَقْرَأُ كُتُبًا مُصَنَّفَةً فِي أُصُولِ الدِّينِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ بَلْ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَلَا يَجِدُ فِيهَا الْقَوْلَ الْمُوَافِقَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الَّذِي عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ وَصَرِيحِ الْمَعْقُولِ بَلْ يَجِدُ أَقْوَالًا كُلٌّ مِنْهَا فِيهِ نَوْعٌ مِنْ الْفَسَادِ وَالتَّنَاقُضِ فَيَحَارُ مَا الَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ وَمَا الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَمَا هُوَ الْحَقُّ وَالصِّدْقُ إذْ لَمْ يَجِدْ فِي تِلْكَ الْأَقْوَالِ مَا يَحْصُلُ بِهِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْهُدَى فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ: { وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } { صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ } .