الثانية: تقديم الخطبتين على الصَّلاة بخلاف صلاة العيد تقدم على الخطبتين؛ لأن النقل هكذا ثبت في الطرفين، ثم فرقوا من وجهين:
أحدهما: أن خطبة الجمعة واجبة، فقدمت ليحتبس الناس في انتظار الصلاة فيستمعوها ولا ينتشروا، وخطبة العيد غير واجبة، ولو انتشروا عنها لم يقدح.
والثاني: أن الجمعة لا تؤدي إلا جماعة، فقدمت الخطبة عليها ليمتد الوقت، ويلتحق النَّاس، وصلاة العيد تؤدي من غير جماعة.
الثالثة: القيام فيها عند القدرة، خلافًا لأبي حنيفة وأحمد حيث قالا: لا يشترط ذلك، ويجوز القعود مع القدرة.
لنا:"أَن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- وَمَنْ بَعْدَهُ لَمْ يَخْطُبُوا إِلاَّ قِيَامًا" [1] . ولأنه ذِكْرٌ يختص بالصَّلاة ليس من شرطه القعود، فكان من شرطه القيام كالقراءة والتكبير، فإن عجز"عن القيام فالأولى أن ينيب غيره، ولو لم يفعل وخطب قاعدًا أو مضطجعًا جاز كما في الصَّلاة، ويجوز الاقتداء به، سواء قال: لا أستطيع القيام أو سكت، فإن الظاهر أنه إنما قعد لعجزه، فإن بان أنه كان قادرًا فهو كما لو بان الإمام جنبًا."
وقوله: (القيام فيها) معلم بالحاء والألف؛ لما حكيناه من مذهبهما، ويجوز إعلامه بالميم؛ لأن بعض أصحاب أحمد حكى عن مالك مثل مذهبهما، بالواو؛ لأن القاضي ابن كج حكى عن بعض أصحابنا وَجْهًا، أنه لو خطب قاعدًا مع القدرة على القيام يجزئه.
الرابعة: الجلوس بينهما؛ خلافًا لأبي حنيفة ومالك وأحمد حيث قالوا: إنه سنة وليس بشرط.
لنا:"مَا ثَبَتَ مِنْ مُوَاظَبَةِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَمَنْ بَعْدَهُ عَلَيْهِمَا" [2] .
وتجب الطمأنينة فيه كما في الجلسة بين السجدتين، ولو خطب قاعدًا لعجزه عن القيام، لم يضطجع بينهما للفصل، ولكن يفصل بينهما بسكتة [ويجب ذلك من أصح الوجهين وحكى القاضي ابن كج عن ابن القطان عن بعض الأصحاب أنه يكفي القائم أيضًا أن يفصل بينهما بسكتة] [3] خفيفة، وهذا يقتضي إعلام قوله: (والجلوس بين الخطبتين) بالواو جمع الحاء والميم والألف.
فإن قلت: لم عد القيام والقعود هاهنا من الشرائط وهما معدودان في الصَّلاَة من
(1) أخرجه مسلم من رواية جابر بن سمرة (862) .
(2) تقدم.
(3) سقط من"ط".