فسدت صلاته بحدث، ثم بان أنه كان مقيمًا عليه الإتمام؛ لأن اقتداء كان صحيحًا.
والثاني: يلزمه الإتمام؛ لأن حدث الإمام لا يمنع صحة اقتداء الجاهل به، فإذا بَانَ أنه مقيم، فقد بَانَ أنه اقتدى بمقيم، وقد أطلق في الكتاب ذكر الخلاف فيما إذا بأن أنه مقيم محدث، لكن موضع الوجهين ما ذكرنا دون ما إذا بَانَ كونه مقيمًا أو لا، كذلك قاله صاحب"النهاية"و"التهذيب"وغيرهما، ثم أطبق الأئمة على ترجيح الوجه الأول على ما ذكره في الكتاب، ومنهم من لا يورد سواه، وقد تنازعه كلامهم في المسبوق إذا أدرك الإمام في الركوع، ثم بَانَ كونه محدثًا، فإنهم رجحوا الإدراك. ومأخذ المسألتين واحد.
وقوله: (لأنه لا قدوة ظاهرًا وباطنًا) أي لا قدوة بمقيم ظاهرًا وباطنًا، أما ظاهرًا فلأنه ظنه مسافرًا، وأما باطنًا فلأنه محدث؛ وصاحب الوجه الثاني يمنع هذا. والله أعلم.
ولا أثر لعدم الإتمام من غير خوض على الصِّحَّة، كما لو شرع في الصَّلاَة مقيمًا، ثم بَانَ له أنه محدث ثم سافر -والوقت باق- فله القصر، بخلاف ما لو شرع فيها مقيمًا ثم عرض سبب مفسد، لا يجوز له القصر، ولزمه الإتمام بالشروع، وكذا لو اقتدى بمقيم، ثم تذكر المأموم - حدث نفسه فله القصر وكذا لو اقتدى بمن يعرفه محدثًا ويظنه مقيمًا؛ لأنه لم يصح شروعه.
قال الغزالي: وَلَو رَعَفَ الإِمَامُ المُسَافِرُ وَخَلْفَهُ مُسَافِرُونَ فَاسْتَخلَفَ مُقِيمًا أَتَمَّ المُقْتَدُونَ، وَكذَا الرَّاعِفُ إِذَا عَادَ وَاقْتَدَى بِهِ.
قال الرافعي: المسألة مبنية على أنه إذا أحدث الإمام أو عرض سبب آخر يوجب فساد صلاته يجوز له أن يستخلف مأمومًا ليتم بالقوم الصلاة، هذا هو الصحيح، وسنذكره والخلاف فيه في"باب الجمعة"إن شاء الله تعالى.
إذا عرفت ذلك فصورة المسألة أن يؤم مسافر بمسافرين ومقيمين فيرعف [1] الإمام في صلاته أو يسبقه الحدث فيستخلف مقيمًا - يجب على المسافرين المقتدين الإتمام، خلافًا لأبي حنيفة.
(1) رعف مثلث العين كما قال ابن مالك، والأفصح فتح عينه، والضم ضعيف، والكسر أضعف منه. حكى في مشكل الوسيط أن هذه الكلمة كانت سبب لزوم سيبويه الخليل في الطلب للعربية، وذلك أنه سأل يومًا حماد بن سلمة نقال له: أحدثك هشام بن عروة عن رعف في الصلاة وضم العين، فقال له: أخطات إنما هو رعف بفتحها، فانصرف إلى الخليل ولزمه.