معطوف على قوله: (ترخص على النص) وما أراد به ذلك، وإنما أراد العَطْف على معنى النَّصِّ، وهو النَّظَرُ إلى الابتداء، فكأنه قال ترخص على النص اعتبارًا بالابتداء. وكذا على العكس ينظر إلى الابتداء، فلا يترخص وعلى التخريج؛ وهو الأظهر أنه ينظر إلى الحال في الصُّورتين.
إذا عرفت ذلك فنقول: العاصي بسفره لا يقصر، ولا يفطر، ولا يَتَنَفَّل على الراحلة، ولا يجمع بين الصَّلاتين، ولا يصح ثلاثة أيام، وهل يَمسح يومًا وليلة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، لما فيه من التَّخْفَيفِ عليه، وتسرعه بسبب ذلك إلى المَعْصِية.
وأظهرهما: عند الجمهور نعم؛ لأن المسح يوم وليلة ليس من رخص المُسَافرين، بل هو جائز للحَاضِر أيضًا، وغاية ما في الباب إلحاق هذا السَّفر باَلْعَدَمِ لكن حكى عن الشيخ أبي محمد أن المقيم إذا كان يدأب في معصية، ولو مسح على خفيه لكان ذلك عونًا له عليها، فيحتمل أنه يمنعه من المسح، واستحسن الإمام ذلك، فعلى هذا يتوجه أن يقال: إنه لَيْسَ من خصائص السَّفَر ولا الحَضَرِ، لكنه من مَرَافِقِ اللبس بشرط عدم المعصية، وهل للعاصي بسَفَرِه أن يتناول المَيْتَةَ عِنْدَ الاضْطرَارِ؟ فيه وجهان نقلهما صاحب،"النهاية"وغيره:
أحدهما: وبه قال الأودني: لا؛ لما فيه من التخفِيفِ على العاصي، وهو متمكن من دَفْعِ الهَلاَك عن نفسه بأن يتوب ثم يأْكُلُ.
والثاني: نعم، إحياءً لِلنَّفْسِ المُشْرِفَةِ على الهلاك، ولأن المُقِيم متَمكِّن من تناول المَيْتة عند الاضطرار، فليس ذلك من رخص السَّفَرِ فأشبه تناول الأطعمة المباحة ما لم يكن من خصائص السَّفَر، لم يمنع منه العَاصِي بِسَفَرِه، وبالوجه الأول قطع عامة الأصحاب من العراقيين وغيرهم، ونفوا الخلاف في المسألة، وقد قيل: في المقيم العاصي ليس له تناول المَيْتَة أيضًا ما لم يتب، والله أعلم.
وهذا الشرط ينبهك من لفظ الكتاب في المسألتين على أمرين:
أحدهما: أنه يجوز أن يعلم قوله: (وجهان) بالواو؛ لأنه أثبت في المسألتين وجهين، وقد ذكرنا أن بعضهم يقطع بالمنع في تناول الميتة.
والثاني: أنه جعل أصح الوجهين في المسألتين الجواز، وهذا المسلم في المسح يومًا وليلة ممنوع في تناول المَيْتَة على رأي الجُمْهُور، ويجوز أن يعلم لفظ (الجواز) بالألف؛ لأن عند أحمد لا يجوز له تناول المَيْتَة كما هو أحد وَجْهَيْنَا، ومما ألحق بِسَفَرِ المَعْصِية أن يتعب الإنسان نفسه ويُعَذِّب دابته، بالركض من غير غرض، ذكر الصيدلاني أنه لا يحل له ذلك.