وفي معنى الوصول إلى الوطن الوصول إلى المقصد الذي عزم على الإقامة فيه الحد المعتبر كما سيأتي، ولو لم يعزم على الإقامة به ذلك الحد لم ينته سفره بالوصول إليه على أصح القولين؛ بل له القصر بعد الوصول إليه وفي انصرافه، ذكره في"التهذيب"وغيره، ولو حصل في طريقه في قرية أو بلدة له بها أهل وعشيرة، فهل ينتهي سفره بدخوله؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم كدخول وطنه.
وأصحهما: لا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- وَمَن مَعَهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَمَّا ضحوا قَصَرُوا بِمَكَّةَ وَكَانَ لَهُمْ بِهَا أَهْلٌ وَعَشِيرَةٌ" [1] ."
وطرد الصيدلاني هذين القولين فيما إذا مر في طريق سفره بوطنه؛ لأنه قال: لو خرج مَكِيٌّ إلى جدَّه، أو إلى موضع آخر يقصر إليه الصلاة ونوى أنه إذا رجع إلى مكّة خرج منها إلى بعض الآفاق من غير إقامة فهل يصير مقيمًا إذا دخلها راجعًا؟ فيه قولان، وذلك أن الرجل إذا مر ببلدة له فيها أهل ومال، هل يصير بدخولها مقيمًا؟ فيه قولان؛ فعلى هذا العود إلى الوطن لا يوجب انتهاء السفر إلا إذا كان عازمًا على الإقامة لكن المشهور أنه يصير مقيمًا بنفس الدخول بلا خلاف، ولذلك قطعوا فيما إذا رجع إلى وطنه لأخذ شيء نسيه بأنه لا يقصر، وقد نقل في"البيان"مثل ما ذكره الصيدلاني عن بعض الأصحاب، واستبعده، وقطع بأنه لا يقصر إذا عاد إلى مكة ويصير مقيمًا.
الثاني: نية الإقامة.
إذا نوى الإقامة في طريقه مطلقًا انقطع سفره وجمار مقيمًا لا يقصر، فلو أنشأً السير بعده فهو سفر جديد، فإنما يقصر إذا توجه إلى مرحلتين، هذا إذا نوى الإقامة في موضع يصلح لها من بلدة أو قرية أو واد يمكن للبدو النزول فيه للإقامة.
فأما المفازة ونحوها، فهل ينقطع سفره بنية الإقامة فيها؟ فيه قولان:
أحدهما -وبه قال أبو حنيفة-: لا؛ لأن المكان غير صالح للإقامة.
وأظهرهما- عند جمهور الأصحاب-: نعم؛ لقصده قطع السفر، وهذا أوفق لفظ الكتاب وأرجح عنده في"الوسيط"، ولو نوى الإقامة مدة نظر إن نواها ثلاثة أيام فما دونها لم يصر مقيمًا بذلك؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال:"يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلاَثًا" [2] وكان يحرم على المهاجرين الإقامة بمكة ومساكنة الكفار، فلما رخص لهم في المكث هذا القدر أشعر ذلك بأنه لا يقطع حكم السَّفر، ولا واجب الإقامة.
(1) البخاري (1081، 4297) ومسلم (693) .
(2) أخرجه البخاري (2933) ومسلم (1352) .