فهرس الكتاب

الصفحة 5304 من 7286

بعض الأصحاب للضَّبْط: إن من يُحدُّ بقَذْفِ الغَيْر، يُقْتَل بقتله، ومن لا، فلا.

إذا تقرَّر ذلك، فالخصْلة الأُولَى الدِّين فلا يقتل المُسْلم [1] بالكافر، حربيًّا كان، أو معاهَدًا، أو ذميًّا.

وبه قال مالك وأحمد، خلافًا لأبي حنيفة في الذميِّ، وعنْه في المُعَاهَدِ أيضًا روايةٌ غير مشهورة.

لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال:"لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ"والقياس على المُعَاهَدِ بجامع أن المقتول ناقصٌ بالكفر وَيقْتَل الذميُّ والمعاهَدُ بالمُسْلِم، والذِميِّ بالذميُّ، وإن اختلفت الملل كاليهوديِّ والنصرانيِّ؛ لأن الكفر كله كالملة الواحدة، ولو قَتَلَ ذِمِّيٌّ ذميًّا، ثم أسْلَم القاتلُ، فيُسْتَوْفَى منه القَوَدُ؛ لأنهما كانا متكافِئَيْنِ حال الجناية، والاعتبارُ في العقوبات بحالِ الجنايات، ولا يُنْظَر إلى ما يَحْدُث بعدها؛ ألا تَرَى أنَّ العبْدَ إذا زَنَى أو قَذَفَ، ثم أُعتِق، يقام عليه حدُّ العبد.

ولو جَرَحَ ذِميٌّ ذميًّا أو معاهدًا، وأسلم الجَارحُ ثم مات المجروح بالسِّراية، ففي وجوب القصاص وجهان.

أحدهما: يجب؛ لأنه وُجِدَ التكافؤ حالة الجرح، والاعتبار بتلْك الحالة، فإنَّه [وقت] الفعْل الداخل تحْت الاختيار، ولذلك نقول: لو جُنَّ الجارح ثم مات المجروح يجب القصاص.

والثاني: المنْع؛ اعتبارًا بحالة الزهُوق؛ فإنَّ القصاص إنَّما يجِبُ بسَبَبِ الزهوق؛ ولذلك نقُول: لو جَرَحَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا، فارتدَّ المخروح، ومات لا يوجب القِصَاص، وهذا أصحُّ عند الإِمام وجماعةٍ، والأكثرون رجَّحوا الأوَّل ورُبَّما لم يذكر غيره، وهذا الخلاف في قِصَاص النَّفْس، أما إذا كانت الجراحة بحَيْث يَجِب فيها القصاصُ، كما إذا قطع ذميٌّ يَدَ ذميٍّ، وأسلم القاطع ثم سَرَى القَطْعُ، وجب القصاص في الطرف لا محالة، ثم القصاص فيما إذا طرأ إسلام القاتل بعد القتل وفيما إذا طرأ الإِسلام بيْن الجرح والموت، وإن أوجبناه يستوفيه الإِمام بطلب الوارث، ولا يفوضه إليه تحرزًا من

(1) وهو مذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي وابن شبرمة والشافعي ومالك وأحمد وأبو ثور واحتج هؤلاء بما أخرجه البخاري في كتاب الديات/ باب العاقلة (12/ 256) عن أبي جحيفة أنه قال سألت عليًا هل عندكم شيء ليس في القرآن فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهمًا يعطي الرجل في كتابه وما في الصحيفة. قلت: وما في الصحيفة؟

قال العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر. (عمدة القاري 19/ 349) ، (فَتح الباري 12/ 272) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت