وعلى ما قال الأبيوردي فيه تردُّد؛ لأن كلامه يستدعى جوابًا على العادة، وارادةُ القَلْب لا تكفي جوابًا للخطاب.
ولو علَّق الطلاق بمشيئتها، وهي صبيَّة أو بمشيئة صبيٍّ أجنبىٍّ فقال المعلَّق بمشيئته شئْتُ، فوجهان:
أظهرهما: عنْد أبي سعد المتولِّي، وهو الذي أورده أبو الفَرَج السرخسي، وذكر الإِمام أن ميل الأكثرين إلَيْه: أنَّه لا يقع الطلاق؛ لأنه لا اعتبار بمشيئة الصبيِّ في التَصرفات؛ ولأنه لو قال: طلِّقِي نفْسَك، فطلقت، لم يقع فكذلك إذا عَلَّق بمشيئتها.
والثاني: يقع، كما لو قال: أنتِ طالقٌ، إن قلت شئت، ولأن مشيئة الصبيِّ معتبرة في اختيار الأبوَيْن، وقد يُؤَكّد بالوجْه الأول ما قاله الأبيوردي، وهذا الخلاف في الصبي المميِّز، وأما إذا علَّق بمشيئتها، وهي صغيرة غير مميِّزة أو مجنونة أو بمشيئة غيرها، وهو بهذه الحالة، فقالَتْ أو قال: شِئْتُ، فلا يقع الطلاق بلا خلاف، ووجَّه بأنَّا، وان اعتمدْنا اللفْظ، فلا بدَّ من صدوره ممن يُتصوَّر أن يكون لفظه إعراباَ عن مشيئة قلبية وليس للمجنون قصْدٌ وَإعرابٌ صحيحٌ ولو قال المعلَّق بمشيئته شئْتُ، وهو سكران، فيخرَّج على أن السَّكْران كالمجنون أو كالصاحي، ولو علَّق بمشيئة أخْرس، فقال بالإِشارة: شِئْتُ وقَع الطلاق، ولو كان ناطقًا، فَخَرَس، ثم أشار بالمشيئة، فوجهان:
أصحهما: وقوع الطلاق إقامةٌ لإِشارته مَقام النُّطْق على المعهود في حقه.
والثاني: المَنْع؛ لأن التعليق حينئذٍ وقع بقوله"شئْتُ"ولم يبق له قَوْل، وينسب هذا إلى ظاهر النص، واختيار الشيخ أبي حامد.
ولو قال لامرأته: أنتِ طالقٌ إذا شئْتِ، فهو كما لو قال: إن شِئْتِ، ولو قال: متى شئْتِ، تقدَّم في الخُلْع أنَّه لا يُشْترط المشيئة في الحال، ويقع الطلاق متى شاء.
وإذا علَّق الطلاق بمشيئتها؛ ثم أراد أن يرْجِع قبْل أن تقول، شئت، لم يتمكن لأنه تعليقٌ في الظاهر، وإن تضمن تمليكًا، وهذا كما لو قال: إن أعطيتني ألفًا، فأنتِ طالقٌ، ثم قال: رجَعْتُ يُؤَثِّر الرجوعُ، وإن كان ذلك معاوضةً.
ولو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا أن يشاء أبوكِ أو فلان واحدةً، فشاء واحدةً، فوجهان:
[أصحهما] : أنَّه لا يقع شَيْءٌ كما لو قال: أنتِ طالقٌ إلا أن يدخل أبوكِ الدارَ، فدخل، وعلى هذا، فلوْ شاء اثنتين أو ثلاثًا، لم يقع شيء أيضًا؛ لأنه شاء واحدةً وزيادةً.
والثاني: أنَّه إذا شاء واحدةً، يقع واحدةً؛ لأن المفهوم منْه إلا أن يشاء أبوكِ واحدةً فتطلقي واحدةً لا ثلاثًا، وفى"التتمة"نقل وجْه ثالث وهو أنها تُطلَّق طلقتين،