إحداها: ليس لراكب التعاسيف [1] ترك الاستقبال في شيء من صلاته، وهو الهائم الذي يستقبل تارة ويستدبر أخرى، إذ ليس له صوب ومقصد معين.
وقوله:"ولا يصلي راكب التعاسيف"معناه أنه لا يتنفل متوجهًا إلى حيث تسير دابته كما يفعله غيره، لا أنه لا يتنفل أصلًا، فإن هذا الرجل لو تنفل مسقبلًا في جميع صلاته أجزأه، ولو كان له مقصد معلوم، لكن لم يسر في طريق معين، فهل يتنفل مستقبلًا صوبه، فيه قولان:
أظهرهما: نعم؛ لأن له مقصدًا معلومًا.
والثاني: لا: إذ لم يسلك طريقًا مضبوطًا، وقد لا يؤدي سيره إلى مقصده.
الثانية: لو انحرف [المصلي] [2] عن صوب الطريق أو انحرفت الدابة عنه، فيبني ذلك على ما لو انحرف المصلي على الأرض عن القبلة، وينظر فيه إن استدبر القبلة في صلاته أو تحول إلى جهة أخرى عمدًا بطلت صلاته، وإن فعله ناسيًا للصلاة فإن تذكر على القرب وعاد إلى الاستقبال لم تبطل صلاته؛ كما لو تكلم في صلاته ناسيًا بكلام قليل، وإن طال الفصل ففي البطلان وجهان -كما لو تكلم ناسيًا بكلام كثير-:
أصحهما: البطلان وهو الذي ذكره الصيدلاني، وصاحب"التهذيب"، لأن الصلاة لا تحتمل الفصل الطويل، ولأن ذلك مما يندر.
والثاني: الصحة كما لو قصر الزمان للعذر، وهو الذي ذكره أبو حامد وطبقته، ولو أماله إنسان عن جهة القبلة قهرًا وطال الزمان بطلت صلاته، فإن عاد إلى الاستقبال على قرب فوجهان: أصحهما: البطلان.
والفرق بين النسيان وقهر الغير إياه أن النسيان مما يكثر ويعم، والإكراه في مثل ذلك يندر، ولهذا المعنى نقول: لو أكره على الكلام في صلاته تبطل صلاته على الصحيح، بخلاف النسيان.
جئنا إلى الانحراف عن صوب الطريق، أو تحريف الدابة عنه، فلو فعل ذلك عمدًا فقد قال في الكتاب: بطلت صلاته، وهذا غير مجرى على إطلاقه، لأنه لو
(1) مقتضاه أن لراكب التعاسيف أن يتنفل على الدابة مستقبلًا القبلة في جميع صلاته قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في مشكل الوسيط: التنفل على الراحلة رخصة من رخص السفر على ما تقرر وركب التعاسيف لا يترخص برخص السفر فهو إذن كالمقيم وقال النووي: في شرح المهذب: إذا كان المسافر راكب تعاسيف وهو الهائم الذي يستقبل تارة ويستدبر أخرى وليس له مقصد معلوم فليس له التنفل على الراحلة ولا ماشيًا كما ليس له الترخيص بشيء من رخص السفر.
(2) سقط في ط.