الفقراء والمساكين؛ بخلاف النَّاشِزَة؛ لأنَّها تَقْدِر على العود إلَى يده وطاعته والمسافرة لا تَقْدِر، فإنْ تركَتْ سفرها، وعزمت عَلَى أنْ تعُودَ إلَيه، فتعطَى من سهم ابن السَّبيل، وقوله في الكتاب:"والمكفي بنفقة أبيه، هل يعطَى"، يعني من سهم الفقراء والمساكين، ونصَّ في مسألة الزوجةِ عَلَى أن أظهر الوجهين: المَنْعُ، وفي المسألة الأولَى:"أرسل الوجهين إشارةً إلَى ترتيب الخلافِ في الزوجة على الخلاَفِ في القريب، وأولويَّة المنع فيه؛ لأنَّ نفقتها عوضٌ، عَلَى ما مر، وقَدْ صرَّح بذلك في"الوسيط"."
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِي: الْمِسْكِينُ وَهُوَ كُلُّ مَنْ لاَ يَمْلِكُ قَدْرَ كِفَايَتِهِ وَإِنْ مَلَكَ وَقَدَّرَ عَلَى الكَسْبِ، وَالفَقِيرُ أَشَدُّ حَالًا مِنْهُ (ح م و) .
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الصِّنْفُ الثاني المِسْكِينُ؛ وهو الذي يمْلِكُ من المال ما يَقَعُ موقعًا من حاجَتِهِ، وكفايته، لكنه لا يكْفِيه، كما إذا احْتَاج إلَى عشرة، وهو يملك سبْعةً أو ثمانيةً وفي معناه مَنْ يقدِرُ على كَسْبٍ ما يقع موقعًا، ولا يكفي، ولا فَرْقَ بين أنْ يكونَ ما يمْلِكُه من المال نِصابًا أو أقلَّ أو أكْثَرَ، [1] وعن أبي حنيفة: إذا ملك نِصَابًا من الأثمان، لم يُعْطَ شيئًا من الزكاة، وكذا إذا مَلَكَ شيئًا قيمته نِصابٌ فاضلًا عن مسكنه وخادمه.
وقال أحمد:"إنْ ملك خمسينَ دْرهمًا، لم يُعْطَ شيئًا مِنَ الزَّكَاةِ".
واحتجَّ الأصحاب بما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال:"لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ إِلاَّ لِثَلاثةٍ" [2] فذكر رجُلًا أصابته جائحة، فاجتاحَتْ ماله، فحلَّت له الصدقة، حتَّى يصيب سدادًا من عَيْشٍ، ومن لم يجدْ ما يكفيه، لم يصب سدادًا من عيش، ولا يعتبر في المسكين السُّؤَال، قطع به أكثر الأصْحَاب، ومنْهم: من نَقَل عن القَدِيمِ اعتبارَهُ، ولفظ المزنيِّ في"المختصر"يُمْكِنُ تنزيله على الطَّريقَيْنِ، وإذا عرِف تفسير المسكين والفَقِيرِ، عرف أنَّ الفقير أشدُّ حالًا من المسْكِينِ، وبه قال أحمدُ.
وقال أبو حنيفة:"المسكينُ أشدُّ حالًا من الفقير"وعكَسَ التفسيرَ، وبه قال أبو إِسحاق المروزيُّ، واحتج الأصحاب بقوله تعالَى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} [الكهف- 79] الآيةَ، سمَّى الذين لَهُمُ السفينةُ يعملون في البَحْرِ مساكينَ، فدلَّ على أن المسكين مَنْ يملِكُ شيئًا، وأيضًا: فإنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-:"اسْتَعَاذَ من الفقر"، وقال:"أحيني"
(1) في ب: وعند.
(2) رواه مسلم كما سبق في التفليس وفي الباب عن ابن مسعود قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: من سأل وله ما يغنيه جاءت يوم القيامة خموش أو خدوش أو كدوح في وجهه، فقيل: يا رسول الله وما الغني؟ قال: خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب، أخرجه أصحاب السنن.