تغريمُ المودعِ، فإِذا قدم، أَحَدْها وردَّها على المالك، واستردَّ البدل، ذكره الشيخ أَبو حامد وغيره، وإِن كانت تالفةً، فللمالك تغريمُ من شاء منْهُما، وليس لِمَنْ غرم منهما أَن يَرْجِعَ عَلَى صاحبه؛ لزَعْمِهِ أَن المالك ظالمٌ بما أَخذ، وإِن كان فلانٌ منكرًا، فهو مصدَّق بيمينه، ويختصُّ الغرم بالمودع.
الثانية: أَن يعترفَ بالإِذْن، وينكر الدَّفْع، ففيه وجه أَنه يصدَّق المودع، ويجعل دعوى الردِّ على وكليل المالِكِ؛ كدعْوَى الردِّ على المالك، ويحكَى هذا عن أبي حنيفة، والأَصحُّ تصديق المالِكِ؛ لِأَنَّ المودَعَ يَدَّعي الردَّ عَلَى من لم يأتمنه، ولو وافق فلانٌ المودَعَ، وقال: إِنها تَلِفَتْ في يدي، لم يُقْبَل قوله على المالِكِ، بل يحلف المالك، وَيضْمَنُ المودع.
الثالثة: أنْ يعترف بالإذْن والدفع معًا، لكنه يقول: إنك لم تَشْهَد عليه، والمدفوع إِليه منكر، فيبني على الخَلافِ الذي مَرَّ في وجوب الإِشْهَاد على الاِيدَاعِ إِن أَوجبنا، فالحكْمُ ما سَبَقَ في الوكالة في نَظِيرِ هذه الصورة، إِذا قال: اقْضِ دَيْنِي، وإِن لم نوصه، لم يكن له تغْريمُه، ولو توافقوا جميعًا على الدَّفْع إِلى الأمين الثاني، وادعى الثاني: أَنه ردَّ على المالك أو تَلِفَ في يده، صدق بيمينه، وهذا إِذا عَيَّنَ المالك الثاني، فأما إِذا أَمره بأنْ يودع أَمينًا، ولم يعيِّن، فادعى الثانِي التلَف، صُدِّق، وإِن ادعَى الرَّدَّ على المالك، وأَنكر المالك، فهُوَ المصدَّق؛ لأَنه يدَّعِي الردَّ على غير من ائتمنه، هكذا ذكروه، ولو قيل: أمينُ أمينِهِ أمينُةُ، كما تقول على رأي وَكِيلُ وكيله وكيلُهُ، لم يَبْعُدْ [1] .
ومنْها: إِذا أراد المودَعُ سفرًا، فاودعها أَمينًا، فادعَى ذلك الأمينُ التلَفَ، صُدِّق، وإن ادعى الردِّ على المالك، لم يصدَّق لأَنه لم يأتمنه، وإن ادعى الردَّ على الأول، صدِّق؛ لأنه ائتمنه، كذلك ذكره المتولِّي، وصاحب الكتاب في"الوسيط"وهذا ذهابٌ إِلَى أن الأَول، إِذا عاد من السَّفَر، له أَن يستردَّها، وبه أَجاب العبَّادِيُّ وغيره، لكنْ حكَى عن كلام الاِمامِ أَن الأَليقَ بمَذْهَب الشافعيِّ -رضي الله عنه- منْعُه من الاستردادِ بخلاَفِ المودعَ؛ يستردُّ من الغاصب في وجْه؛ لأَنه من الحفظ المأَمورِ به، ولو كان المالكُ قد عَيَّنَ أمينًا، فقال: إذا سافَرْتَ، فاجعلها عنْدَ فلانٍ، فَفَعَلَ، فالجوابُ على العَكْسِ، إِن ادَّعى الردَّ على المالك، صُدِّق، وإن ادعى الردَّ على الأول، لم يصدَّق.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِي: ادَّعى رَجُلاَنِ وَدِيعَةً عَلَيْهِ فَقَالَ: هُوَ لِأَحَدِهِمَا وَقَدْ نَسِيتُ عَيْنَهُ، فَإِنْ صَدَّقْاهُ في النِّسْيَانِ فُصِلَتِ الخُصُومَة بَيْنَهُمَا بِطَرِيقِهَا وَجَعلَ المَالُ في أَيْدِيهِمَا،
(1) قال النووي: بل هو يعير والفرق ظاهر. والله أعلم.