= وجهوا ما ذهبوا إليه بأنه لا خلاف في وجوب العلم بالمنفعة، وهي أمر إضافي إن أمكن انضباطه في الأعمال بالمدة تارة، وبمحل العمل تارة أخرى لم يمكن انضباطه في غير الأعمال إلا ببيان المدة، وترك البيان يقضي إلى النزاع والغرر، فقد يرغب أحد العاقدين في مدة طويلة، والآخر في مدة قصيرة.
وإذا قلتا بتقدير المدة فإن طولها وقصرها يتركان لحرية المتعاقدين حسبما يريانه محققًا لمصلحتيهما على ألاَّ تهلك فيها العين المؤجرة غالبًا إلى هذا ذهب الجمهور، خلافًا للمالكية والظاهرية.
أما الظاهرية، فإنهم يشترطون في المدة أن تكون مما يمكن بقاء المؤجر والمستأجر، والشيء المستأجر إليها، فإن لم يمكن بقاء أحدهم إليها لَمْ يجز العقد، وكان مفسوخًا.
وحجتهم على ذلك: أن العقد على مدة لا يعيش إليها المتعاقدان باطل؛ لأنه لو كان صحيحًا، لكان عقدًا منهما لغيرهما وقد تعاقدا لأنفسهما، فلا يصح، ومثله العقد على مدة لا تبقى إليها العين المستأجرة فهو باطلٌ؛ لأن عقد على معدوم لا يوجد.
ويناقش ما استدل به الظاهرية بأنا لا تسلم أن العقد على مدة لا يعين إليها المتعاقدان يعتبر عقدًا أنهما لغيرهما.
فَإنْ عقد الإجارة ما هو إلا عقد معاوضة يفيد تمليك المنافع في مقابلة الأجرة، فالمنافع المعقود عليها كلها تملك للمستأجر والأجرة المقابلة لها كلها تملك للمؤجر، فإذا مات أحدهما ملك ورثته عنه ما كان يملكه من منفعة، أو أجرة، فالورثة لا شأن لهم بالعقد أصلًا، وإنما ورثوا آثار العقد من منفعة وأجرة، كما يرثون أثر البيع من ثمن أو منحه إذا بقي بيد المورث، حتى مات عنه، وبهذا تسقط حجة الظاهرية في إبطال التقدير بمدة لا يعين إليها المتعاقدان، وأما إبطالهم التقدير بمدة لا تبقى إليها العين المستأجرة فمسلم.
والجمهور يقولون به.
وَأَمَّا المالكية، فإنهم يفصلون في المدة بالنسبة للأعيان المؤجرة، فَيُحَدِّدُونَهَا في الأرض الزراعية المأمونة الري بخمسين عامًا، وإذا لم تكن مأمونة، فإلي هذه المدة أيضًا بشرط عدم قبض الكراء، وبالنسبة للعبد بخمْسَةَ عَشْرَ عَامًا، وبالنسبة لدور السكنى بثلاثين عامًا وبالنسبة لدواب الركوب بسنة، إلا أن تكون في سفر فشهر، وهذا في الدابة التي يكون فيها قبض الأجرة، وأما مع عدم القبض، فيجوز لأكثر من سنة، وقد فرقوا بين الدابة والعبد من جهة طول المدة وقصرها بأن العبد إذا حصلت له مشقة يخبر عن حال نفسه، والدابة ليست كذلك.
ولم أَرْ من استدلَّ على هذا التحديد، وغاية ما يستدل به عليه أن الأرض وإن لم تفن في الخمسين عامًا إلا أن قد تتغير فيها الأسعار، فالإجارة لأكثر منها تحتوي على الضرر، وأما الدار فإن يخش انهدامها لو استؤجرت لأكثر من تلك المدة، وكذا يقال في بقية التقادير عندهم.
ولا يخفى ضعف هذه الحجج، وعدم دلالتها على هذه التقادير المعينة المحددة، فالمانع من إطالة المدة إما الجهالة، وإما خوف هلاك أحد العاقدين، وإما خوف هلاك العين.
أما الجهالة فلا وجود لها, لأن الغرض أن العاقدين قدرا مدة معينة، وأما خوف هلاك أحد =