الوجهان الأولان معلمين بعلامتهما، والخلاف في هذه المسألة يجري في صور.
منها: إذا كان محبوسًا في موضع نجس، ولو سجد لسجد على نجاسة، هل يتم السجود أم يقتصر على الإيماء؟ وإذا وجد ثوبًا طاهرًا لو فرشه لبقي عاريًا، ولو لبسه لصلى على نجاسة، ماذا يفعل؟ فيه الخلاف، وإذا وجد العريان ثوبًا نجسًا، هل يصلي فيه أم يصلي عاريًا؟ فيه الخلاف، وإذا عرف ذلك فإن قلنا، في مسألة العاري: إنه لا تتم الأركان، فيقضي على ظاهر المذهب، لندور العذر، وعدم البدل، كمن لم يجد ماء ولا ترابًا، فصلى، وفيه الخلاف المذكور في تلك الصورة ونظائرها.
وإن قلنا: تتم الأركان، فهل يقضي؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن العذر نادر، وليس له دوام ولا بدل.
وأظهرهما: لا، ووجهوه بشيئين:
أحدهما: أن وجوب السِّتر لا يختص بالصّلاة، فاختلاله لا يقتضي وجوب الإعادة، لكن سياق هذا أن لا يجب القضاء، وإن ترك السّتر مع القدرة كالاحتراز عن المكث في العَرصة [1] المَغْصُوبة لما لم تكن من خاصية الصلاة لم يقتض اختلاله وجوب القضاء، وإن صلى فيه عمدًا، وهذا مذهب مالك.
والثاني: أن العري عذر عام، أو نادر إذا اتفق دام فلا توجب القضاء، والطبع لا ينقاد لكونه العري بهذه الصفة، وأطلق قوم من شيوخ الأصحاب كصاحب"التقريب"القول ينفي الإعادة، وهو جواب منهم على ظاهر المذهب، ولا فرق في نفي الإعادة بين أن يكون العاري في الحضر، أو في السّفر، بخلاف المتيمم، لعدم الماء، والفرق أن الثوب في مظنة الضّنّة [2] فقد لا يبذل، وإن كان في الحضر والماء بخلافه، وكل ما ذكرناه فيما إذا اتفق العُري في ناحية لا يعتاد أهلها العُري، فأما إذا صلى عاريًا في قوم يعتادون العري، فلا قضاء عليه إذا تحول واكتسى، لعموم العذر، وشيوعه عندهم، لذلك فصل الشيخ أبو محمد.
وذكر إمام الحرمين أنه ساعده عليه كثير من الأصحاب، وهو الذي أورده صاحب الكتاب في"الوسيط"قال إمام الحرمين: والوجه اقطع بأن الذين يعتادون العُرى يتمُّون الركوع والسّجود، فإنهم يتصرفون في أمورهم عراة، فيصلون كذلك، ولا يقضون وجهًا
(1) عرصة الدار: ساحتها، وهي البقعة الواسعة التي ليس فيها بناء، والجمع عراص، مثل كلبة، وكلاب، وعرصات مثل سجدة وسجدات، وقال أبو منصور الثعالبي في كتاب فقه اللغة: كل بقعة ليس فيها بناء فهي عرصة. انظر المصباح المنير (2/ 550) .
(2) ضنّ بالشيء يضن: بخل، انظر المصباح المنير (2/ 498) .