لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ،فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ فَقَالَ « أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِى تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ،أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِىَّ » .قَالُوا نَعَمْ،مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلاَّ صِدْقًا.قَالَ « فَإِنِّى نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ » .فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ،أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا فَنَزَلَتْ ( تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ) [1]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،قَالَ:لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء:] جَمَعَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قُرَيْشًا،فقَالَ:يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ،أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ،فَإِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَلِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ مِثْلَ ذَلِكَ،وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مِثْلَ ذَلِكَ،ثُمَّ،قَالَ:يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - ،أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ،فَإِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكِ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا،إِلاَّ أَنَّ لَكِ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلاَلِهَا." [2] "
عدم اليأس: الداعي إلى الله لا ييأس إذا صادف رفضًا ممن يدعوه،فعليه أن يدعو ويترك أمر الهداية إلى الله،قال تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (56) سورة القصص
إنك -أيها الرسول- لا تهدي هداية توفيق مَن أحببت هدايته،ولكن ذلك بيد الله يهدي مَن يشاء أن يهديه للإيمان،ويوفقه إليه،وهو أعلم بمن يصلح للهداية فيهديه. [3]
وعَنِ ابْنِ شِهَابٍ،قَالَ:أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ،عَنْ أَبِيهِ،قَالَ:لَمَّا حَضَرَ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ،فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: يَا عَمِّ،قُلْ:لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ أَشْهَدْ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ،قَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ:يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؟ قَالَ:فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَبَى أَنْ يَقُولَ:لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ،فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة:] ،وَأُنْزِلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ،وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ،وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} ." [4] "
وإن الإنسان ليقف أمام هذا الخبر مأخوذا بصرامة هذا الدين واستقامته. فهذا عم رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وكافله وحاميه والذائد عنه،لا يكتب اللّه له الإيمان،على شدة حبه لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وشدة حب رسول اللّه له أن يؤمن. ذلك أنه إنما قصد إلى عصبية القرابة وحب الأبوة،ولم يقصد إلى العقيدة. وقد علم اللّه هذا منه،فلم يقدر له ما كان يحبه له رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ويرجوه.
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (4770 ) وصحيح مسلم- المكنز - (529)
(2) - صحيح ابن حبان - (2 / 412) (646) وصحيح مسلم- المكنز - (522)
(3) - التفسير الميسر - (7 / 90)
(4) - صحيح البخارى- المكنز - (4772) وصحيح مسلم- المكنز - (141) وصحيح ابن حبان - (3 / 263) (982)