فهرس الكتاب

الصفحة 609 من 670

فنحن على هدى من اللّه ونور. نعرف طريقنا جيدا،ونسير فيها على بصر وإدراك ومعرفة،لا نخبط ولا نتحسس،ولا نحدس. فهو اليقين البصير المستنير. ننزه اللّه - سبحانه - عما لا يليق بألوهيته،وننفصل وننعزل ونتميز عن الذين يشركون به:

«وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» ..لا ظاهر الشرك ولا خافيه.هذه طريقي فمن شاء فليتابع،ومن لم يشأ فأنا سائر في طريقي المستقيم.

وأصحاب الدعوة إلى اللّه لا بد لهم من هذا التميز،لا بد لهم أن يعلنوا أنهم أمة وحدهم،يفترقون عمن لا يعتقد عقيدتهم،ولا يسلك مسلكهم،ولا يدين لقيادتهم،ويتميزون ولا يختلطون! ولا يكفي أن يدعوا أصحاب هذا الدين إلى دينهم،وهم متميعون في المجتمع الجاهلي. فهذه الدعوة لا تؤدي شيئا ذا قيمة! إنه لا بد لهم منذ اليوم الأول أن يعلنوا أنهم شيء آخر غير الجاهلية وأن يتميزوا بتجمع خاص آصرته العقيدة المتميزة،وعنوانه القيادة الإسلامية .. لا بد أن يميزوا أنفسهم من المجتمع الجاهلي وأن يميزوا قيادتهم من قيادة المجتمع الجاهلي أيضا! إن اندغامهم وتميعهم في المجتمع الجاهلي،وبقاءهم في ظل القيادة الجاهلية،يذهب بكل السلطان الذي تحمله عقيدتهم،وبكل الأثر الذي يمكن أن تنشئه دعوتهم،وبكل الجاذبية التي يمكن أن تكون للدعوة الجديدة.

وهذه الحقيقة لم يكن مجالها فقط هو الدعوة النبوية في أوساط المشركين .. إن مجالها هو مجال هذه الدعوة كلما عادت الجاهلية فغلبت على حياة الناس .. وجاهلية القرن العشرين لا تختلف في مقوماتها الأصيلة،وفي ملامحها المميزة عن كل جاهلية أخرى واجهتها الدعوة الإسلامية على مدار التاريخ! والذين يظنون أنهم يصلون إلى شيء عن طريق التميع في المجتمع الجاهلي والأوضاع الجاهلية،والتدسس الناعم من خلال تلك المجتمعات ومن خلال هذه الأوضاع بالدعوة إلى الإسلام .. هؤلاء لا يدركون طبيعة هذه العقيدة ولا كيف ينبغي أن تطرق القلوب! .. إن أصحاب المذاهب الإلحادية أنفسهم يكشفون عن عنوانهم وواجهتهم ووجهتهم! أفلا يعلن أصحاب الدعوة إلى الإسلام عن عنوانهم الخاص؟ وطريقهم الخاص؟ وسبيلهم التي تفترق تماما عن سبيل الجاهلية؟ [1]

القدوة الحسنة: الداعي قدوة لغيره،ولذلك عليه أن يحرص على العمل بما يعلم،وأن يتخلق بما يدعو إليه وإلا كان ممن قال الله فيهم: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} (44) سورة البقرة

يَنْعِى اللهُ تَعَالَى عَلَى اليَهُودِ - وَهُمْ أَهْلُ الكِتَابِ - أَنْ يَأْمُرُوا النَّاسَ بِالخَيْرِ وَالبِرِّ وَطَاعَةِ اللهِ،فِي حَالِ أَنَّهُمْ يَنْسَوْنَ وَعْظَ أَنْفُسِهِمْ،وَحَمْلَهَا عَلَى طَاعَةِ اللهِ،فَلاَ يَأْتَمِرُونَ بِمَا يَأْمُرُونَ بِهِ غَيْرَهُمْ مِنَ النَّاسِ،مَعَ أَنَّهُمْ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ المُنْزَلَ إِلَيْهِمْ،وَيَعْلَمُونَ مَا فِيهِ مِنْ عَقَابِ يَحِلُّ بِمَنْ يُقَصِّرُ فِي القِيَامِ بمَا أَمَرَ

(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (4 / 2034)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت