ومع تقرير قاعدة القصاص بالمثل،فإن القرآن الكريم يدعو إلى العفو والصبر،حين يكون المسلمون قادرين على دفع الشر ووقف العدوان،في الحالات التي قد يكون العفو فيها والصبر أعمق أثرا. وأكثر فائدة للدعوة.
فأشخاصهم لا وزن لها إذا كانت مصلحة الدعوة تؤثر العفو والصبر. فأما إذا كان العفو والصبر يهينان دعوة اللّه ويرخصانها،فالقاعدة الأولى هي الأولى.
ولأن الصبر يحتاج إلى مقاومة للانفعال،وضبط للعواطف،وكبت للفطرة،فإن القرآن يصله باللّه ويزين عقباه: «وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ. وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ» .. فهو الذي يعين على الصبر وضبط النفس،والاتجاه إليه هو الذي يطامن من الرغبة الفطرية في رد الاعتداء بمثله والقصاص له بقدره.
ويوصي القرآن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهي وصية لكل داعية من بعده،ألا يأخذه الحزن إذا رأى الناس لا يهتدون،فإنما عليه واجبه يؤديه،والهدى والضلال بيد اللّه،وفق سنته في فطرة النفوس واستعداداتها واتجاهاتها ومجاهدتها للهدى أو للضلال. وألا يضيق صدره بمكرهم فإنما هو داعية للّه،فاللّه حافظه من المكر والكيد،لا يدعه للماكرين الكائدين وهو مخلص في دعوته لا يبتغي من ورائها شيئا لنفسه ..
ولقد يقع به الأذى لامتحان صبره،ويبطئ عليه النصر لابتلاء ثقته بربه،ولكن العاقبة مظنونة ومعروفة «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ» ومن كان اللّه معه فلا عليه ممن يكيدون وممن يمكرون.هذا هو دستور الدعوة إلى اللّه كما رسمه اللّه. والنصر مرهون باتباعه كما وعد اللّه. ومن أصدق من اللّه؟. [1]
الفهم الجيد للدين: لا بد أن يكون الداعي إلى الله على علم بأحكام الدَّين،ولكي يتحقق له ذلك فيستحب له حفظ القرآن الكريم،ومن أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - قدر ما يستطيع حتى يستدلَّ بها في دعوته فعلى الأقل يحفظ أحاديث رياض الصالحين للإمام النووي رحمه الله،يقول تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (108) سورة يوسف
يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - بِأَنْ يُخْبِرَ النَّاسَ أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَةَ إِلى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهَ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ هِيَ سَبِيلُهُ وَمَسْلَكُهُ وَسُنَّتُهُ،وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهَا وَهُوَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنَ اللهِ وَيَقِينٍ،هُوَ وَكُلُّ مَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ،مِنْ حَقِيقَةِ مَا يَدْعُونَ إِلَيْهِ،وَمَا يَقُولُونَ بِهِ،وَأَنَّهُ يُنْزِّهُ اسْمَ اللهِ،وَيُقَدِّسُهُ عَنِ الشِّرْكِ وَالوَلَدِ وَالصَّحَابَةِ،تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا [2]
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (4 / 2201)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 1705)