وعَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ" [1]
قال ابن رجب:"وَأَمَّا التَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ، فَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ تَرَكَ الْإِسْلَامَ، وَارْتَدَّ عَنْهُ، وَفَارَقَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا جَاءَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ، وَإِنَّمَا اسْتَثْنَاهُ مَعَ مَنْ يَحِلُّ دَمُهُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَتَيْنِ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ وَحُكْمُ الْإِسْلَامِ لَازِمٌ لَهُ بَعْدَهَا، وَلِهَذَا يُسْتَتَابُ، وَيُطْلَبُ مِنْهُ الْعَوْدُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَفِي إِلْزَامِهِ بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ فِي زَمَنِ الرِّدَّةِ مِنَ الْعِبَادَاتِ اخْتِلَافٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ."
وَأَيْضًا فَقَدْ يَتْرُكُ دِينَهُ، وَيُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ، وَهُوَ مُقِرٌّ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَيَدَّعِي الْإِسْلَامَ، كَمَا إِذَا جَحَدَ شَيْئًا مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، أَوْ سَبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أَوْ كَفَرَ بِبَعْضِ الْمَلَائِكَةِ أَوِ النَّبِيِّينَ أَوِ الْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ مَعَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ، وَفِي"صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ"عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» .
وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا تُقْتَلُ الْمَرْأَةُ إِذَا ارْتَدَّتْ كَمَا لَا تُقْتَلُ نِسَاءُ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي الْحَرْبِ، وَإِنَّمَا تُقْتَلُ رِجَالُهُمْ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَجَعَلُوا الْكُفْرَ الطَّارِئَ كَالْأَصْلِيِّ، وَالْجُمْهُورُ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا، وَجَعَلُوا الطَّارِئَ أَغْلَظَ لِمَا سَبَقَهُ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَلِهَذَا يُقْتَلُ بِالرِّدَّةِ عَنْهُ مَنْ لَا يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، كَالشَّيْخِ الْفَانِي وَالزَّمِنِ وَالْأَعْمَى، وَلَا يُقْتَلُونَ فِي الْحَرْبِ.
وَقَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم:" «التَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» "يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَابَ وَرَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ، لَمْ يُقْتَلْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَارِكٍ لِدِينِهِ بَعْدَ رُجُوعِهِ، وَلَا مَفَارِقٍ لِلْجَمَاعَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: بَلِ اسْتِثْنَاءُ هَذَا مِمَّنْ يَعْصِمُ دَمَهُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَتَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ وَلَوْ كَانَ مُقِرًّا بِالشَّهَادَتَيْنِ، كَمَا يُقْتَلُ الزَّانِي الْمُحْصَنُ، وَقَاتِلُ النَّفْسِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، كَمَا حُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ، أَوْ أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى مَنِ ارْتَدَّ مِمَّنْ وُلِدَ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وَإِنَّمَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ مَنْ كَانَ كَافِرًا، ثُمَّ أَسْلَمَ، ثُمَّ ارْتَدَّ عَلَى قَوْلِ طَائِفَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمُ: اللَّيْثُ بْنُ
(1) - صحيح مسلم (3/ 1302) 25 - (1676)