روى مسلم عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللهِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران:169] قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلَاعَةً» ،فَقَالَ:"هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبِّ، نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا" [1] .
ولعل الحكمة في جعل أرواح الشهداء في أجساد الطيور الخضر، أنهم جاهدوا في سبيل الله، وجادوا بأجسادهم الكثيفة لله تعالى، وبذلوها في حب الله، وعرضوها للآلام والمشقات الشديدة وسمحوا بها للفناء، امتثالًا لأمر الله! فلما فعلوا ذلك عوضهم الله عنها أجسادًا لطيفة في دار النعيم الباقي.
ولعل الحكمة في اختيار الطيور ذوات اللون الأخضر والقناديل المعلقة في ظل العرش هي: إن ألطف الألوان هو اللون الأخضر. وألطف الجمادات الشفافة هو الزجاج. ولذلك جعل الله أرواح الشهداء في ألطف الأجساد، وهو الطير، واختار ألطف الألوان وهو الأخضر، ويأوي ذلك الطير الأخضر إلى ألطف الجمادات وهي القناديل المنورة والمفرحة في ظل العرش، لتكمل لها لذة النعيم في جوار الرب الكريم!
والفرق بين روح الشهيد وروح المؤمن غير الشهيد؛ أن روح الشهيد في جوف طير أخضر، فكأنها تركب ذلك الطير. أما روح المؤمن فإنها على شكل طيرٍ في الجنة، فكأنها تطير بنفسها.
ولا يفتن الشهيد في قبره، لأنه كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة. إن الفتنة في القبر إنما هي لاختبار ما عند الإنسان من حقيقة الإيمان والتصديق.
(1) - صحيح مسلم (3/ 1502) 121 - (1887)