فهرس الكتاب

الصفحة 482 من 522

وَيَنْتَهِي الْقِتَال كَذَلِكَ بِالْهُدْنَةِ، إِذْ هِيَ لُغَةً الْمُصَالَحَةُ، وَشَرْعًا هِيَ عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ مُصَالَحَةَ أَهْل الْحَرْبِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَال مُدَّةً بِعِوَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَتُسَمَّى مُوَادَعَةً، وَمُسَالَمَةً، وَمُعَاهَدَةً وَمُهَادَنَةً، وَالأَْصْل فِيهَا قَبْل الإِْجْمَاعِ أَوَّل سُورَةٍ"بَرَاءَةٌ" {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:4] ،وَمُهَادَنَتُهُ - صلى الله عليه وسلم - قُرَيْشًا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ. [1]

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ تَجُوزُ الْهُدْنَةُ لِلْمُدَّةِ الَّتِي يَرَى الإِْمَامُ فِيهَا الْمَصْلَحَةَ وَإِنْ زَادَتْ عَنْ عَشْرِ سِنِينَ، قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَنُدِبَ أَنْ لاَ تَزِيدَ عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يَجُوزُ مُهَادَنَةُ الْكُفَّارِ سَنَةً فَمَا زَادَ؛ لأَِنَّهَا مُدَّةٌ تَجِبُ فِيهَا الْجِزْيَةُ، فَلاَ يَجُوزُ إِقْرَارُهُمْ فِيهَا مِنْ غَيْرِ جِزْيَةٍ، وَفِي جَوَازِ مُهَادَنَتِهِمْ فِيمَا زَادَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَمَا دُونَ سَنَةٍ قَوْلاَنِ وَهَذَا فِي حَال قُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ. أَمَّا فِي حَال ضَعْفِهِمْ فَيَجُوزُ عَقْدُهَا إِلَى عَشْرِ سِنِينَ. وَظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ أَنَّهَا لاَ تَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِمُصَالَحَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قُرَيْشًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَشْرًا.

كَمَا لاَ تَجُوزُ الْهُدْنَةُ إِلاَّ لِلنَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِهِمْ ضَعْفٌ عَنْ قِتَال الْكُفَّارِ، وَإِمَّا أَنْ يَطْمَعَ فِي إِسْلاَمِ الْكُفَّارِ بِهُدْنَتِهِمْ، أَوْ فِي أَدَائِهِمُ الْجِزْيَةَ وَالْتِزَامِهِمْ أَحْكَامَ الْمِلَّةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ لاَ تَجُوزُ الْمُهَادَنَةُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ؛ لأَِنَّهُ يُفْضِي إِلَى تَرْكِ الْجِهَادِ بِالْكُلِّيَّةِ. [2]

اسْتِعْمَال أَمْوَال الْعَدُوِّ وَسِلاَحِهِ:

يَجُوزُ أَنْ يُذْبَحَ مِنَ الْغَنَائِمِ لِلأَْكْل مَا يُؤْكَل لَحْمُهُ وَذَلِكَ لأَِنَّهُ كَسَائِرِ الطَّعَامِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُعْمَل مِنْ أُهُبِهَا حِذَاءً، وَلاَ سِقَاءً، وَلاَ دِلاَءً، وَلاَ فِرَاءً، فَإِنِ اتَّخَذَ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَجَبَ رَدُّهُ فِي الْمَغْنَمِ. وَإِنْ أَصَابُوا كَلْبًا، فَإِنْ كَانَ عَقُورًا قُتِل لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ دُفِعَ إِلَى مَنْ

(1) - فتح القدير 5/ 205، وجواهر الإكليل 1/ 269.

(2) - المراجع السابقة، والمغني 8/ 459، 460، وكشاف القناع 3/ 111، 112، والمهذب 2/ 259.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت