فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 522

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَاتِلُوا مَنْ وَلِيَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ دُونَ مَنْ بَعُدَ مِنْهُمْ، يَقُولُ لَهُمُ: ابْدَءُوا بِقِتَالِ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ إِلَيْكُمْ دَارًا دُونَ الْأَبْعَدِ فَالْأَبْعَدِ. وَكَانَ الَّذِي يَلُونَ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ يَوْمَئِذٍ الرُّومُ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا سُكَّانَ الشَّامِ يَوْمَئِذٍ، وَالشَّامُ كَانَتْ أَقْرَبَ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنَ الْعِرَاقِ. فَأَمَّا بَعْدَ أَنْ فَتْحَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الْبِلَادَ، فَإِنَّ الْفَرْضَ عَلَى أَهْلِ كُلِّ نَاحِيَةٍ قِتَالُ مَنْ وَلِيَهُمْ مِنَ الْأَعْدَاءِ دُونَ الْأَبْعَدِ مِنْهُمْ مَا لَمْ يُضْطَرُّ إِلَيْهِمْ أَهْلُ نَاحِيَةٍ أُخْرَى مِنْ نَوَاحِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ اضْطَرُّوا إِلَيْهِمْ لَزِمَ عَوْنَهُمْ وَنَصْرَهُمْ، لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ. وَلِصِحَّةِ كَوْنِ ذَلِكَ، تَأَوَّلِ كُلِّ مَنْ تَأَوَّلَ هَذِهِ الْآيَةَ أَنَّ مَعْنَاهَا إِيجَابُ الْفَرْضِ عَلَى أَهْلِ كُلِّ نَاحِيَةٍ قِتَالَ مَنْ وَلِيَهُمْ مِنَ الْأَعْدَاءِ. [1]

وهذا أيضا إرشاد آخر، بعدما أرشدهم إلى التدبير فيمن يباشر القتال، أرشدهم إلى أنهم يبدأون بالأقرب فالأقرب من الكفار، والغلظة عليهم، والشدة في القتال، والشجاعة والثبات.

{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} أي: وليكن لديكم علم أن المعونة من الله تنزل بحسب التقوى، فلازموا على تقوى الله، يعنكم وينصركم على عدوكم.

وهذا العموم في قوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} مخصوص بما إذا كانت المصلحة في قتال غير الذين يلوننا، وأنواع المصالح كثيرة جدا. [2]

إننا نجد أمرا بقتال الذين يلون المسلمين من الكفار. لا يذكر فيه أن يكونوا معتدين على المسلمين ولا على ديارهم .. وندرك أن هذا هو الأمر الأخير، الذي يجعل «الانطلاق» بهذا الدين هو الأصل الذي ينبثق منه مبدأ الجهاد، وليس هو مجرد «الدفاع» كما كانت الأحكام المرحلية أول العهد بإقامة الدولة المسلمة في المدينة.

ويريد بعض الذين يتحدثون اليوم عن العلاقات الدولية في الإسلام، وعن أحكام الجهاد في الإسلام، وبعض الذين يتعرضون لتفسير آيات الجهاد في القرآن .. أن يتلمسوا لهذا النص النهائي الأخير قيدا من النصوص المرحلية السابقة فيقيدوه بوقوع الاعتداء أو خوف الاعتداء! والنص القرآني بذاته مطلق، وهو النص الأخير! وقد عودنا البيان القرآني عند إيراد الأحكام، أن يكون

(1) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (12/ 85)

(2) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 356)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت