فهرس الكتاب

الصفحة 323 من 522

الحياة. عليها عيناه. ويشعر كذلك بالتحرج من إيذاء أحد، أو إتلاف شيء أو التصرف في أحد أو في شيء إلا بما أمره الله. خالق كل شيء، ومحيي كل حي. ربه ورب كل شيء وكل حي .. وكذلك تبدو آثار التوحيد في التصورات والمشاعر، كما تبدو في السلوك والتصرفات. وترسم للحياة كلها منهاجا كاملا واضحا متميزا. ولا يعود التوحيد كلمة تقال باللسان. ومن ثم تلك العناية بتقرير عقيدة التوحيد وتوضيحها وتكرار الحديث عنها في الكتاب الذي أنزله الله: وهو حديث يحتاج إلى تدبره كل أحد، في كل عصر، وفي كل بيئة. فالتوحيد بمعناه ذلك معنى ضخم شامل يحتاج إلى فهم وإدراك. «أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ» .. يعلنها هكذا ملوية عالية في ذلك التعبير المجلجل. بأداة الافتتاح «أَلا» وفي أسلوب القصر «لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ» .فيؤكد معناها بالبناء اللفظي للعبارة .. فهي القاعدة التي تقوم عليها الحياة كلها. بل التي يقوم عليها الوجود كله. ومن ثم ينبغي أن ترسخ وتتضح وتعلن في هذا الأسلوب الجازم الحاسم: «أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ» .. [1]

وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة:5] .

لقَدْ تَفَرَّقَ هَؤُلاَءِ وَاخْتَلَفُوا بَغْيًا وَعُدْوَانًا، وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِالتَّفَرُقِ وَالاخْتِلاَفِ، وَإِنَّمَا أُمِرُوا بِمَا يُصْلِحُ دِينَهُمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَبِمَا يُحَقِّقُ لَهُمُ السَّعَادَةَ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ: مِنْ إِخْلاَصٍ للهِ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، وَتَطْهِيرِ أَعْمَالِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ بِهِ، وَاتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ الحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَاءِ المُنْحَرِفَةِ عَنِ الشَّرْكِ، وَإِقَامَةِ الصَّلاةِ وَأَدَائِهَا حَقَّ الأَدَاءِ، وَدَفْعِ زَكَاةِ أَمْوَالِهِمْ ... وَهَذَا هُوَ الدِّينُ الحَقُّ الذِي جَاءَ فِي الكُتُبِ القَيِّمَةِ المُسْتَقِيمَةِ التِي لا عِوَجَ فِيهَا. [2]

ودين واحد فما أمروا في سائر الشرائع إلا أن يعبدوا {اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} أي: قاصدين بجميع عباداتهم الظاهرة والباطنة وجه الله، وطلب الزلفى لديه، {حُنَفَاءَ} أي: معرضين [مائلين] عن سائر الأديان المخالفة لدين التوحيد. وخص الصلاة والزكاة [بالذكر] مع أنهما داخلان في قوله {لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ} لفضلهما وشرفهما، وكونهما العبادتين اللتين من قام بهما قام بجميع شرائع

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 3824)

(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 6012،بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت