شبهة أنهم قتلوا مسلمين
السؤال الثامن:
شكر الله لك يا شيخ هذا التوضيح والاستطراد، وهو استطراد في محله إن شاء الله، غير أنه بقيت هناك شبهة وهي قولهم إن هؤلاء قد قتلوا إخوانهم من المسلمين، وفي هذا من نصوص الوعيد وتحريم قتل المسلمين ما لا يخفى فماذا تقولون ردًا على هذه الشبهة، حفظكم الله ورعاكم؟
الشيخ: أولًا يا أخ محمد لا بد أن نقرر قاعدة مهمة في قضايا الجهاد، وهي أن الخطأ الناجم عن اجتهاد أو تأويل فإنه يعفى عنه ولا يضمَّن فاعله وهذا أمر متقررٌ في الجهاد ومسائله، هناك عدة أدلة على هذه القاعدة نورد بعضها على سبيل المثال فمن ذلك: أن أسامة رضي الله عنه، حينما قتل - في أحد البعوث والسرايا - رجلًا من المشركين بعد أن قال لا إله إلا الله، وعنفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك وقال أسامة مبررًا قتله للرجل: إنه قالها متعوذا من السيف، فقال له عليه الصلاة والسلام: أشققت عن قلبه؟! والقصة مشهورة. فمع أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر عليه ذلك إلا أنه لم يأمره بدفع الدية ولا بكفارة القتل الخطأ، فلم يضمّنه لأن خطأه كان عن اجتهاد وتأويل.
و كذلك لما غزا خالد رضي الله عنه قوما من العرب فبدلًا من أن يقولوا أسلمنا قالوا صبأنا، ومع ذلك قاتلهم خالد رضي الله عنه وأعمل فيهم السيف حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلن براءته مما صنع خالد، ومع ذلك لم يُضمّنه لا هو ولا أحدا ممن قاتل معه مع أنهم قتلوا مسلمين ولكن كان ذلك الخطأ عن اجتهاد وتأويل.
إذا تقرر هذا فإنه لو قدرنا أن إخواننا المجاهدين أخطأوا في فعلهم هذا فإن خطأهم هذا مغفور لهم إن شاء الله لأننا نجزم أن قصدهم بالقتل هو الصليبيين وليس المسلمين وهذا هو الظن بهم مع أننا نعتقد أنهم ليسوا مخطئين، ويجوز لهم قتل المسلمين في مثل هذه الحال التي لا يمكن معها تمييز المسلمين عن الكفار بسبب اختلاطهم بهم. وقد تقدم تقرير قاعدة أنه يجوز تبعا ما لا يجوز قصدًا واستقلالًا، وقتل المسلمين هنا كان تبعا ولم يكن استقلالاَ، وكان المقصود بالقتل النصارى الصليبيين.
و قد أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بذلك، وهو ما يعرف بمسألة التترس المشهورة، قال رحمه الله: «وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا، فإنهم يقاتلون وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم، وإن لم يخف على المسلمين ففي جواز القتال المفضي إلى قتل هؤلاء المسلمين قولان مشهوران للعلماء. وهؤلاء المسلمون إذا قتلوا كانوا شهداء، ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيدًا، فإن المسلمين إذا قاتلوا الكفار فمن قتل من المسلمين يكون شهيدا، ومن قتل- وهو في الباطن لا يستحق القتل - لأجل مصلحة الإسلام كان شهيدا، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يغزو هذا البيت جيش من الناس فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم فقيل يا رسول الله وفيهم المكره فقال يبعثون على نياتهم" فإذا كان العذاب الذي ينزله الله بالجيش الذي يغزو المسلمين ينزله بالمكره وغير المكره فكيف بالعذاب الذي يعذبهم الله به أو بأيدي المؤمنين؟! كما قال تعالى: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا) ونحن لا نعلم المكره ولا نقدر على التمييز، فإذا قتلناهم بأمر الله كنا في ذلك مأجورين ومعذورين، وكانوا هم على نياتهم فمن كان مكرها لا يستطيع الامتناع فإنه يحشر على نيته يوم القيامة، فإذا قتل لأجل قيام الدين لم يكن ذلك بأعظم ممن يقتل من عسكر المسلمين» . أهـ مجموع الفتاوى 28/ 547