ولا يعني التقييد بآية وحديث أن التعارض الظاهري لا يكون بين أكثر من آية وأكثر من حديث ، بل قد يكون بين عدد من الآيات في موضوع واحد ، كالآيات التي تنفي الشفاعة وبين مجموعة من الأحاديث متحدة في موضوع كإثبات الشفاعة ، فالقيد إذًا ليس للحصر ، وإنما لبيان أقل ما يقع فيه التعارض .
( على وجه يمنع كل منهما مقتضى الآخر ) : وصف للتقابل ، ويقصد به أن يدل كل من الآية أو الحديث على نفي ما يدل عليه الآخر.
( تقابلًا ظاهرًا ) قيد يخرج به التعارض الحقيقي الذي يكون في الواقع ونفس الأمر.
ويقصد به أن التقابل والتعارض بين الآية والحديث إنما يكون بحسب الظاهر لا في الواقع ونفس الأمر ، فهو تعارض يتبادر إلى الذهن ، وليس له وجود ، فإذا أعمل الناظر للآية والحديث مسالك العلماء في دفع التعارض [1] ارتفع عن ذهنه التعارض ، وزال عنه الإشكال.
المبحث الثاني
أهمية البحث في التعارض بين الأدلة والتوفيق بينها
إن البحث في التعارض بين الأدلة والتوفيق بين ما يتوهم من التعارض بينها له أهمية بالغة ؛ إذ لم يُنصب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قطعية في الدلالة ، بل كان بعضها دليله ظنيًا ، وما دام أن الأدلة الظنية معتبرة في الدلالة على الأحكام الشرعية فقد تعارض تلك الأدلة أدلة أخرى في الظاهر بحسب جلائها وخفائها ؛ فوجب من أجل ذلك البحث والنظر في الأدلة المتعارضة والتوفيق أو الترجيح بينها والعمل بها أو بالأقوى منها [2] ، فالبحث في التعارض بين الأدلة والتوفيق بينها إذًا يحقق مقصدًا عظيمًا ، كما قال الزركشي:"القصد منه تصحيح الصحيح وإبطال الباطل" [3] .
(1) سيأتي بيانها في الفصل الثالث إن شاء الله تعالى.
(2) انظر: البحر المحيط في أصول الفقه 6/108.
(3) المصدر السابق.