ويمكن أن يقال: إنه لم يحرم من الدم أصلًا إلا الدم المسفوح ، كما جاء في آية الأنعام { أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا } ، و تكون الألف واللام في لفظ ( الدم ) في آية البقرة والمائدة والنحل للعهد ؛ أي حُرِّم عليكم الدم المعهود عندكم تحريمه من قبل ، وهو الدم الموصوف بكونه مسفوحًا [1] .
ويؤيد ذلك أن سورة الأنعام مكية ، وسورتا البقرة والمائدة مدنيتان ، وأما سورة النحل فهي وإن كانت مكية إلا أن الذي يظهر أن قوله تعالى فيها: { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ tP¤$!$#ur..الآية } [ آية: 115] ، متأخر في النزول عن آية الأنعام ، بدليل أن الله سبحانه وتعالى قال بعدها في سياق المحرمات من المطعومات: { وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ } [ النحل: 118] ، يعني بذلك قوله تعالى في سورة الأنعام: { وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } [الأنعام: 146] .
قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: { وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ } [ النحل: 118] :"يقول تعالى ذكره: وحرمنا من قبلك يا محمد على اليهود ما أنبأناك به من قبل في سورة الأنعام ؛ وذاك: { كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ } " [2] .
وعلى هذا فتحريم الدم في الآيات السابقة لا يتناول الكبد والطحال ؛ لأنها ليست من الدم المسفوح الذي قيدت به الآيات المطلقة كما تقدم.
(1) انظر: أحكام القرآن للجصاص 3/296.
(2) جامع البيان 14/391.