-والجهاد ماض إلى قيام الساعة [1] ، بوجود الإمام وعدمه [2] ومع جوره وعدله [3] . وإن عُدِمَ الإمام لم يؤخر الجهاد؛ لأن مصلحته تفوت بتأخيره [4] ،
(1) - قال النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم ُ «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ - قَالَ - فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صلى الله عليه وسلم فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ تَعَالَ صَلِّ لَنَا. فَيَقُولُ لاَ. إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ. تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الأُمَّةَ» . رواه مسلم.
(2) - وهذا مما أجمعت عليه الأمة ولم يشذَّ عنه إلا علماء التسول في عصرنا هذا، بل لو وجد الإمام وأراد فئامٌ من الناس طلب العدو الكافر وغزوهم جاز مع الكراهة ولا يحرم، فكيف بجهاد الدفع؛ جهاد الذود عن الدين والعرض والأرض؟!!، يقول الإمام الشهيد ابنُ النحاس الدمياطي رحمه الله:
اعلم أنه يكره الغزو بغير إذن الإمام أو الأمير المنصوب من جهته، ولا يحرم لأنه ليس فيه أكثر من التغرير بالنفس، وهو جائز في الجهاد. قال شيخ الإسلام أبو حفص البلقيني رحمه الله في تصحيح المنهاج: يستثنى من هذا (أي الكراهية) مواضع:
أحدها: إذا كان من يريد الغزو من واحد أو جماعة، لو ذهب إلى الاستئذان فاته المقصود. فإنه لا كراهة في غزوه.
الثاني: إذا عطل الإمام الغزو، وأقبل هو وجنوده على أمور الدنيا وغير ذلك، مما يشاهد في هذه الأعصار والأمصار، فإنه لا تتوجه الكراهة لمن يريد الغزو من واحد أو جماعة لأنهم حينذٍ قائمون بالفرض المعطل.
الثالث: إذا كان من يريد الغزو لا يقدر على الاستئذان، ويغلب على ظنه أنه لو استأذن لم يؤذن له، فإنه لا كراهة تتوجه إليه في الحالة المذكورة، انتهى. وهو حسن جدًا. (مشارع الأشواق:1019) .
(3) - وقال الإمام البخاري رضي الله عنه:
باب الجهاد ماض مع البر والفاجر لقول النبي صلى الله عليه وسلم (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) (صحيح البخاري) . ويبين الإمام العيني رحمه الله وجه استدلال البخاري رحمه الله فيقول: (( وجه الاستدلال به أنه لما أبقى الخير في نواصي الخيل إلى يوم القيامة علم أن الجهاد ماض إلى يوم القيامة وقد علم أن في أمته أئمة جور لا يعدلون ويستأثرون بالمغانم ومع هذا فقد أوجب الجهاد معهم(عمدة القاري:14\ 145) ، قلتُ: وقد علم الله عز وجل ذهاب الخلافة و الإمام ومع ذلك أوجب الجهاد عليهم إلى يوم القيامة وفي هذا رد بليغ على المبتدعة الذين زعموا أن لا جهاد إلا مع وجود الخليفة وهو كما ترى استدلال البخاري رحمه الله.
(4) -هذه العبارة من كلام الإمام ابن قدامة المقدسي، (أنظر المغني:10\ 374) .
وللإمام المجدد عبد الرحمن بن حسن جواب مهم على شبهة لا جهاد إلا بإمام، ألخصه في المحاور التالية:
الأول: يترتب على ترك الجهاد محظورات عظيمة كموالاة الكافرين والدخول في طاعتهم وموافقتهم، فيلزم القائل بترك الجهاد أن يقول بجواز هذه المحظورات حينها، ولا يتصور من مسلم أن يقول هذا، فاللازم باطل، فبطل الملزوم.
الثاني: بأي كتاب، أم بآية حجة أن الجهاد لا يجب إلا مع إمام متبع؟! هذا من الفرية في الدين، والعدول عن سبيل المؤمنين؛ والأدلة على إبطال هذا القول أشهر من أن تذكر، من ذلك عموم الأمر بالجهاد، والترغيب فيه، والوعيد في تركه، قال تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [سورة البقرة آية: 251] ، وقال في سورة الحج: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ} الآية [سورة الحج آية: 40] . وكل من قام بالجهاد في سبيل الله، فقد أطاع الله وأدى ما فرضه الله، ولا يكون الإمام إمامًا إلا بالجهاد.
الثالث: كثرة الأدلة على بطلان قوله من الكتاب والسنة والآثار، ومن ذلك قصة أبي بصير رضي الله عنه التي لا تخفى إلّا على البليد.
الرابع: أنَّ الدين لا يقوم إلّا بالجهاد، ولذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالجهاد مع البَّر والفاجر،، تفويتًا لأدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما، وارتكابًا لأخف الضررين لدفع أعلاهما؛ فإن ما يدفع بالجهاد من فساد الدين، أعظم من فجور الفاجر، لأن بالجهاد يظهر الدين ويقوى العمل به وبأحكامه، ويندفع الشرك وأهله.
الخامس: إن كل طائفة تنازل العدو الكافر وتقاتله، لا بد أن يكون لها أئمة ترجع إلى أقوالهم وتدبيرهم؛ وأحق الناس بالإمامة من أقام الدين الأمثل فالأمثل، فإن تابعه الناس أدوا الواجب، وحصل التعاون على البر والتقوى، وقوي أمر الجهاد، وإن لم يتابعوه أثموا إثمًا كبيرًا بخذلانهم الإسلام، وأما القائم به، فكلما قلت أعوانه وأنصاره، صار أعظم لأجره، كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع
قلت: معنى كلامه رحمه الله أن أئمة المجاهدين هم أولى الناس برتبة الإمامة في الدين.
السادس: ليس في الكتاب والسنة ما يدل على أن الجهاد يسقط في حال دون حال، ولا يجب على أحد دون أحد، إلا ما استثنى في سورة براءة. وتأمل قوله: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إ} [سورة الحج آية: 40] ، وقوله: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} الآية [سورة المائدة آية: 56] ؛ وكل يفيد العموم بلا تخصيص. فأين تذهب عقولكم عن هذا القرآن؟
وقد عرفت مما تقدم: أن خطاب الله تعالى يتعلق بكل مكلف، من الأولين والآخرين، وأن في القرآن خطابًا ببعض الشرائع، خرج مخرج الخصوص وأريد به العموم، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} الآية [سورة التوبة آية: 73] (انتهى بتصرف واختصار من الدرر السنية)