فهرس الكتاب

الصفحة 304 من 719

قلت: وهل الدّعوة إلى هذا إلاّ دعوة إلى التفرق من غير شكّ ، لأنها دعوة إلى جماعات متعدّدة الأهواء متباينة الآراء ، متضادّة متناحرة فيما بينها ، كلّ واحدة لا تتفق مع الأخرى ، بل تبدّعها أو تفسّقها أو تكفّرها ، لأنّ فيها الجهميّة ، و المعتزلة ، والأشعريّة ، و الماتريدية ، والصوفية ، والخوارج ، والجبريّة و المرجئة ، وكلّها متناقضة متضادة في مناهجها وعلومها وتصوّراتها ، متباينة في مقاصدها ومراداتها ، متفرقة في دعواتها ، و القول بأنها متّفقة باطل في الواقع ، ولفظ خبر الرّسول صلى الله عليه وسلم يردّ ذلك ، كما في حديث معاوية بن أبي سفيان الذي رواه أبو داود و الترمذيّ- وقال حديث حسن صحيح - وصحّ من رواية ابن أبي عاصم ، في كتابة السنة له من طرق متعددة ، قال معاوية - رضى الله عنه- قام فينا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يومًا فذكر: ( إنّ أهل الكتاب قبلكم تفرقّوا على اثنتين وسبعين فرقة في الأهواء كلّها في النار إلاّ واحدة ، وهي الجماعة) الحديث .

فإنّ قوله: (( واحدة ، وهي الجماعة ) )، وفي رواية: (( هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ) )ينافي التّعدّد المتضادّ ، فتعين أن تكون الجماعة واحدة ، وإن تنوعّت في صورها ، وتعددّت جماعاتها بتعدّد الأماكن ، و الأزمان ، والأجناس و الأحوال ، كتعدّد جماعاتهم ومساجدهم في الصّلاة فهم واحد في المنهج و العلم و التّصورّ ، و في النّية و العمل والإرادة و الغاية ، وهم أهل السنّة و الجماعة (1) .

ولكن مع الأسف ينطلق هؤلاء الدّعاة في دعواتهم إلى الله بزعمهم ، ومن تلك المنطلقات المتفرقة ، التي لا ترجع إلى مرجعيّة تجمعها ، وينطلقون من تلك المفاهيم الخاطئة للمراد الشرعي بمفهوم الجماعة ، فيأتون إلى النّاس من دعواتهم المفارقة بجهالة وبغي ، وبدعة وضلالة ، ويسلكون مسلك الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعًا وأحزابًا ، كلّ حزب بما لديهم فرحون ، كالخوارج المارقة ، الذين يفتاتون على أهل الإسلام و السّنة ، ويحرجونهم بممارساتهم الضالّة باسم الإسلام ، والإسلام منها براء ، وباسم السنّة و السّلفيّة و ليست من منهج أهل السّنّة و الجماعة في شيء .

ومن ذلك المفهوم الفاسد: اعتقاد بعض النّاس ، أنّنا في زمان الاعتزال ، الواجب فيه الاعتزال ، أخذًا بزعمهم من قوله في حديث حذيفة قال: (( قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال صلى الله عليه وسلم: فاعتزل تلك الفرقّ كلها ولو أن تعضّ بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك(2) .

3-أثر الاختلاف في المراد الشرعي بالجماعة في ضياع الهوية

أ- رفع الخلافة النبوية ، وحدوث الشّرك:

رُفَعِت الخلافة النبوية بسبب الاستجابة للفتن المضلّة ، التي يوقعها اليهود و المجوس و المنافقون فيهم ، حتى وقعوا في الاختلاف المذموم ، وهو اختلاف التّضادّ ، حتى قُتل بسببه الخليفة الرّاشد عثمان مظلومًا - رضى الله عنه- على أيدي خوارج من المسلمين ، وصار المسلمين فرقًا ، منهم فريقان عظيمان متقاتلان ، واعتزل فريق ثالث القتال مع أيّ من الفريقين ، وخرج الخوارج من المسلمين على عليّ فقتلهم في النّهروان ، وفرّ منهم خوارج إرهابّيون ، حتى قتلوا الخليفة الرّاشد عليًا- رضى الله عنه- غيِلة وإرهابًا ، قتله غدرًا عبدالرحمن بن ملجم الخارجي في كمين نصبه له ، ثم أصلح الله بين المسلمين بالحسن بن عليّ- رضى الله عنه- فاجتمعوا بتنازله عن الأمر لمعاوية - رضى الله عنه- اجتمعوا بذلك على ملوك الخلافة الأموية العربية ، ثم ذهبت الخلافة الأموية بسبب الاختلاف المذموم أيضًا ، وقامت فيهم ملوك الخلافة العباسية ضاعت هوية الخلافة العربية تمامًا ، وتسلّطت الشعوبية و العجم بسبب اختلاف العرب ذاتهم ، اختلافًا متضادًا مذمومًا ، ولكنهم انضووا تحت الخلافة العثمانية الإسلامية ، ثم ضاعت الهوية العثمانية بالاختلاف كذلك ، وبعدم تحقيق سلاطين الأتراك المراد الشرعي بالجماعة ، وبإضاعتهم الهوية العثمانية بالاختلاف كذلك ، وبعدم تحقيق سلاطين الأتراك المراد الشرعي بالجماعة ، وبإضاعتهم اساس تكوينها ضاعت هويتهم أمام إرهاب يهود الدّونمة و الماسونية ، وعولمة الإلحاد الأوروبي وضغطه وإرهابه إلى أن ألغوا خلافتهم التركية العثمانية ، وبذلك ارتفعت الخلافة الإسلامية الكبرى ، وتّم افتراق العرب و المسلمين سياسيًا إلى دويلات ، وبعد أن كانوا قد افترقوا دينيًا قبل ذلك إلى ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة ، التي هي على السنة النبوية في الواقع ، بالمراد الشرعي ، رغم افتراق المسلمين ، ومفارقة المخالفين لها ، ولا تزال باقية إلى قيام الساعة .

ولقد حدث النّقص في تحقيق كلمة التوحيد ، في الأجيال التي جاءت من عبد القرون الثلاثة الأولى المفضّلة ، بسبب اتباع من اتّبع منهم الأهواء وعبادتها ، واتباع البدع المخالفة لما جاء به الرّسول صلى الله عليه وسلم ، وتبرك البعض واجب تحقيق التوحيد ، وهذا هو سبب المحدثات في الدّين ، والبدع التي يتعبّد بها أصحابها ، فحصل الاختلاف والتّفرّق و التّقاتل و الضعف بسبب ذلك .

كما روى ابن أبي عاصم من طرق متعدّدة ، وأبو داود عن معاوية - رضى الله عنه- قال: قال فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فذكر: (( إنّ أهل الكتاب قبلكم تفرقّوا على اثنتين وسبعين فرقة في الأهواء ، ألا وإنّ هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة في الأهواء ، كلّها في الناس إلا واحدة ، وهي الجماعة ، إلا وإنه يخرج في أمّتي قوم ، يهوون هوى ، يتجارى بهم ذلك الهوى ، كما يتجارى الكّلّبُ بصاحبه لا يدع منه عرقًا ، ولا مفصلًا إلاّ دخله ) ) (1) وفي رواية أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أخبر (( أنّ هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملّة- يعني: الأهواء - كلها في النار إلا واحدة ، وهي الجماعة ) ) (2) وقع بسبب اتّباع الأهواء كثير من أنواع الشّرك في المسلمين ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخوارج:"يمرقون من الإسلام مروق السّهم من الرّمية ، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ، ولئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد"، رواه البخاري في مواضع صحيحه ورواه غيره (3) ، وفي صحيح البخاري أيضًا في كتاب الفتن: ( باب تغيّر الزّمان حتى يعبدوا الأوثان ) وفي حديث أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تقوم الساعة حتى تضطرب إليات نساء دوس على ذي الخلصة ، وذو الخلصة طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية ) ) (4) ، وبسبب وقوع هذه الأهواء الشّركيّة في هذه الأمة ، حصل تفرقهم في الدّين ، فصار فيهم الفشل وذهاب الرّيح و الضعف ، كما يشهد بذلك الواقع طبقًا لما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وذلك من علامات نبوّته صلى الله عليه وسلم .

ومن الأمثلة التاريخية لما وقع في الأمة من الشرك ، وما مثّل به الشيخ عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله - في الدّرر السنية فقال: (( مثل الذي ذكر ه الشيخ قاسم من أئمة الحنفيّة ، في شرح درر البحار ، من النذر لغير الله وأنه كفر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت