فهرس الكتاب

الصفحة 305 من 719

ومثل ما ذكره الأذرعيّ ، من أئمة الشافعية ، في ( قوت المحتاج شرح المنهاج ) ، وما ذكره أبو شامة ، من أئمة الشّافعية أيضًا ، وما ذكره الطّرطوشيّ ، من أئمة المالكيّة ، وما ذكره أبو الوفاء بن عقيل ، وابن القيم ، من أئمة الحنابلة ، وغير هؤلاء العلماء كثير ، كلّهم صرّحوا بأنّ الأعمال الشّركية قد عمّت بها البلوى ، وشاعت في كثير من البلاد الإسلامية ، وأنّ المشاهد والأبنية على القبور قد كثرت ، وكثر الشّرك عندها وبها حتى صار كثير منها بمنزلة اللاّت و العزّى ومناة الثالثة الأخرى ، بل أعظم شركًا عندها وبها )) (1) .

وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب - رحمهم الله- في قرّة عيون الموحدّين: (( وقد وقع الأكثر من متأخري هذه الأمة في الشرك الذي هو أعظم المحرمّات ، كما وقع في الجاهلية قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ، عبدوا القبور و المشاهد و الأشجار و الأحجار و الطواغيت و الجنّ ، كما عبد أولئك اللاّت و العزّى ومناة وهبل وغيرها من الأصنام و الأوثان ، واتخذوا هذا الشّرك دينًا ، ونفروا إذا دُعوا إلى التّوحيد أشدّ نفرة ، واشتدّ غضبهم لمعبوداتهم ، كما قال تعالى: (( وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) )"الزمر: 45"إلى أن قال الشيخ ابن حسن: (( وقد وقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم بعد القرون الثلاثة

( يعني من غربة الإسلام وافتراق الأمة ) فلهذا عمّ الجهل بالتوحيد الذي هو أصل دين الإسلام ، فإنّ أصله أن لا يُعبد إلاّ الله ، وأن لا يُعبد إلاّ بما شرع ، وقد تُرك هذا ، وصارت عبادة الأكثرين مشوبة بالشّرك و البدع )) (2) .

ب- زوال الهوية العثمانية:

من آثار عدم تحقيق الدولة العثمانية للمراد الشرعي بالجماعة ، أن زالت هويتهم ، أمام النّصرانية و البدع و الوثنية يهود الدّونمة و الماسونية ، وعولمة الإلحاد الأوربّي وضغطه وإرهابه ، وإلى شيء من تفصيل ذلك:

أولًا: زوالها من النّاحية الدينية:

عُرفت الدولة العثمانية بتأييد التّصوّف البدعيّ ، في مختلف طرائقة التي بعدت عن الإسلام ، وليست من الإسلام في شيء ، وإنّما كانت قد دخلت من عادات شركيّة بعضها نصرانيّة ، كالرهبانية و اللّعب ذكر الله تعالى ، وابتداع أساليب فيه ، كالرقص والغناء و الصيّاح ، والمكاء و التّصدية , والأشعار و التّصفيق ، و المدائح الشّركيّة ، و الموالد المبتدعة ، وبعضها من الهندوسية أو الفارسية أو اليونانية أو الطّورانّية التركية ، كدعوى الحلول والاتّحاد ، ووحدة الوجود ، و التّفوق العرقيّ ، فكانت الدولة العثمانية ترعى هذا وتراه من صميم الدّين ، وكان السّلاطين يخضعون للمتصوفة ، وأهل الجهل و الغلو ، وسدنة القبور و المزارات و المشاهد وعبّادها ، ويبالغون في تعظيمهم ، ويغلون فيهم ، حتى ظهر الشرك بين المسلمين ، وعبادة غير الله تعالى ، بالدّعاء و الذبح والنّذور و القربات ، وبناء القباب للطّواف حولها ، وانتشر هذا وكثر وغلب على همم العلماء و المصلحين ، في ظلّ الدّولة العثمانية وحمايتها ، بل إنه وجدت رسالة في الحجرة عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، أولها: ( من عبيدك السلطان سليم وبعد ، يا رسول الله قد نالنا الضّرّ ، ونزل بنا من المكروه ما لا نقدر على دفعه ، واستولى عبّاد الصّلبان على عبّاد الرحمن ، نسألك النصر عليهم و العون عليهم ، وأن تكسرهم عنّا ) ، وذكر كلامًا كثيرًا هذا معناه وحاصله (1) ، ومع ذلك فقد تعالى سلاطين هذه الدولة العثمانية وتكبروا على الرّعية ، بنزعتهم العرقية الطّورانية ، فلا يخاطبونهم مباشرة وإنما يقولون لولاتهم: ( بلغوا عبيد بابنا العالي ) (2) .

ولذا وصل الأمر بالدولة العثمانية ، مدفوعة ببدعها من دول أوربا الصهيونية و العلمانية وممثلة بوالي مصر محمد علي باشا ، وشريف مكّة ، الشّريف غالب ، إلى أن حاربت التّوحيد وأهله ، بعد المعرفة وقيام الحجّة .

ذكر الجبرتي في تاريخه ، في حوادث سنة 1221هـ: ( أنّ الأخبار وصلت من الدّيار الحجازية ، بأنّ الشّريف غالب عاهد الإمام سعود على اتّباع ما أمر الله به ، في كتابه العزيز من إخلاص التوحيد لله وحده ، واتّباع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكان عليه الخلفاء الراشدون و الصحابة و التّابعون ، والأئمة المجتهدون إلى آخر القرن الثّالث ، وترك ما حدث في النّاس من الالتجاء إلى غير الله تعالى ، وبناء القباب على القبور لعبادتها و النّذور و الذبح لها ، وسائر ما أحدثوه من أنواع الشرك في توحيد الألوهية ، والذي بعثت الرّسل لإبطاله ، حتى يكون الدّين كلّه لله تعالى ، وترك سائر المنكرات والمجاهرة بتا ، وإبطال المكوس و المظالم ، قال: وكانوا قد جاوزوا الحدود ، يأخذون على المبيعات و المشتريات ، ويصادرون أموال النّأس ودورهم ، فما يشعر الشّخص من سائر النّاس ، إلاّ والأعوان - على حين غفلة- يأمرونه بإخلاء الدّار وخروجه منها ، ويقولون: إنّ سيّد الجميع محتاج إليها ، فإمّا أن يخرج منها وتصير من أملاك الشّريف ، وإمّا أن يصالح عليها بمقدار ثمنها ، حتى إنّ الميت يأخذون عليه من خمسه فرنسة إلى عشرة ، بحسب حاله ، وإن لم يدفع أهله الذي يتقرر عليه ، لا يقدرون على رفعه ودفنه ولا يقربه الغاسل حتى يأتيه الإذن ، فعاهده على منع ذلك كلّه ، وعلى هدم القباب المبنيّة على القبور والأضرحة ، بعد المناظرة مع علماء تلك النّاحية ، وإقامة الحجّة عليهم بالأدلة القطعيّة ، التي لا تقبل التّأويل من الكتاب و السنة ، وإذعانهم لذلك ، فعند ذلك أمنت السبل ، وسلكت الطّرق بين مكّة و المدينة ، وجدّة والطّائف ، وانحلّت الأسعار ، وكثر وجود الطعام وما يجلبه عربان الشرق إلى الحرمين من الغلال والأغنام والسّمن و العسل ) انتهى باختصار (1) .

ويقول الجبرتّي: بأنّ الشريف غالب يوافق في الظّاهر مع الوهّابي (2) ، لخوفه منه ،

وعدم قدرته عليه فيظهر له الموافقة والامتثال ، وأنه معه على العهود التي عاهده عليها ، ويميل باطنًا للعثمانيين ، لكونه على طريقتهم ومذاهبهم ، وقد تعاقد مع الباش محمد عليّ ، أنه متى وصلت عساكره قام بنصرتهم ، وساعدهم بكلّيّته ، وجميع همّته . . . (1)

قلت: وهكذا فعل ! .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت