فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 719

وأما العبادة فللّه وحده ليس فيها واسطة ، فلا يعبد إلا الله وحده" (2) لأن الله تعالى هو المنفرد بالنفع و الضرّ ، وشرع تعالى أن كلّ عمل لا يكون غايته إرادة الله وعبادته ، فهو عمل فاسد غير صالح ، باطل غير حقّ ، أي لا ينفع أصحابه ولو اجتمعوا عليه ، قال تبارك وتعالى: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) "الشورى: 13"، وقال تعالى" (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) "سورة الأنعام: 159"، و قال تعالى: ( ولَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ )

"الروم: 31،32"، وقال الله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) "آل عمران: 19"، وقال تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) "آل عمران: 85".

فالجماعة على الإسلام ، إثبات لهويّة المجتمع الإسلامي ، وعدمها عدم لهويّة المجتمع الإسلامي ، بل إن إثبات الهويّة الإسلامية ذاتها على الكمال الواجب ، يتوقف على وجود الجماعة على الإسلام ، ووجود الجماعة ، يتوقف على وجود الإمارة ، ووجود الإمارة يتوقف على وجود السّمع و الطاعة ، فلا إسلام إلا بجماعة ، ولا جماعة إلا بإمارة ولا إمارة إلا بسمع وطاعة ، كما روى الدّارمي في سننه بسند جيدّ عن يزيد بن هارون ، أنا بقيّة ، حدثني صفوان بن رستم ، عن عبدالرحمن بن مسيرة ، عن تميم الداري ، قال: تطاول النّاس في البناء في زمن عمر فقال: (( يا معشر العُريب ! الأرض الأرض ، إنه لا إسلام بجماعة ، ولا جماعة إلاّ بإمارة ولا إمارة بطاعة ، فمن سوّده قومه على الفقه كان حياة له ولهم ، ومن سوّده قومه على غير فقه كان هلاكًا له ولهم ) ) (1) .

ففي هذا الأثر العظيم عن عمر: بيان أنّ هذه الثلاثة متلازمة ، آخذ بعضها ببعض ، لا قيام للإسلام على الكمال الواجب إلاّ بها .

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم الجماعة ولزوم إمامهم ، والاجتماع عليه بالسّمع و الطّاعة للأمير بالمعروف ، وأن ضرب الأمير الظّهر وأخذ المال ، أمرًا يدلّ على الوجوب ، من أجل تحقيق وجود الجماعة ، لما في وجودها من المصلحة العظمى ، ونهى عن الخروج على الجماعة ومفارقتها ، نهيًا يدلّ على التحريم ، لما في ذلك من التّفرّق والضعف وضياع الهويّة و المفسدة الكبيرة .

وقد ترجم الإمام النّوويّ لأحاديث صحيحة في صحيح مسلم ، تدلّ على هذا الحكم الشّرعيّ دلالة قاطعة ، فقال: ( باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن ، وفي كلّ حال ، وتحريم الخروج على الطّاعة و مفارقة الجماعة ) (1) .

منها ما في صحيح مسلم ومسند أحمد من حديث ابن عمر وابن عبّاس رضى الله عنهم ، وفي حديثهما ، قوله صلى الله عليه وسلم: ( من فارق الجماعة شبرًا فمات فميتة جاهلية ) .

وفي سنن النسائي عن شريح الأشجعيّ قال رأيت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) على المنبر يخطب الناس ، فقال: (( إنه سيكون بعدي هنات وهنات ، فمن رأيتموه فارق الجماعة ، أو يريد يفرّق أمر أمّة محمد( صلى الله عليه وسلم ) كائنًا من كان فاقتلوه ، فإنّ يد الله على الجماعة ، فإنّ الشيطان مع من فارق الجماعة يركض )).

وقال ابن مسعود: (( أيها الناس ، عليكم بالطاعة و الجماعة ، فإنها حبل الله الذي أمر به وما تكرهون في الجماعة ، خير مّما تحبّون في الفُرقة ) ) (2)

وأخرج مسلم وأحمد ومالك عن أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويكره لكم ثلاثًا ، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا ، وأن تناصحوا من ولاّه الله أمركم ، ويكره لكم قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال ) ) (3) ، ففي هذه الحديث النبويّ الشريف ، البدء بأساس الجماعة وأصله ، ( أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا ، والاعتصام بحبل الله ، الذي هو الجماعة ، وعدم التّفرق ، ومناصحة وليّ الأمر ، وهذه الثلاث قد نصّ عليها في حديث رواه الإمام أحمد في المسند بإسناد جيّد عن زيد بن ثابت رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(( نضّر الله امرأً سمع منّا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره ، فإنه ربّ حامل فقه ليس بفقيه وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ثلاث خصال لا يغلُّ عليهنّ قلب مسلم أبدا: إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر ، ولزوم الجماعة ، فإنّ دعوتهم تحيط بهم من ورائهم . . . ) )الحديث .

وجاء هذا الحديث بأسانيد بعضها صحيحة ، وبعضها حسنة ، وبعضها معلولة ، عن جماعة من الصحابة ، فهو متواتر (1) .

وقد جمعت هذه الخصال الثّلاث ( إخلاص العمل لله ، ومناصحة ولاة الأمر ، ولزوم الجماعة ) ما يقوم به دين النّاس ودنياهم .

قال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب: (( لم يقع خلل في دين النّاس ودنياهم إلا بسبب الإخلال بهذه الثلاث أو بعضها ) ) (2) .

وإن أساس الجماعة ، وأئتلاف القلوب ، الثابت أمام إرهاب الفتن ، هو التوحيد .

و العرب خاصّة ، لا تدين لأحد بغير كلمة التوحيد ، ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) . وقد بيّن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لقومه حين دعاهم إلى الإسلام ، ذكر ابن كثير في تفسيره أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( لعمهّ أبي طالب ورهطٍ من قريش فيهم أبو جهل ، إجابةً لأبي طالب حين قال له:(( يا ابن أخي ! هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم ، وقد سألوك أن تكفّ عن شتم آلهتهم ، ويَدَعُوك وإلهك ، قال صلى الله عليه وسلم: أدعوهم أن يتكلّموا بكلمة يدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم ، فقال أبو جهل من بين القوم: ما هي وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها ، قال صلى الله عليه وسلم: تقولون: لا إله إلا الله ، فنفروا ) ).

قال ابن كثير: وفي رواية ابن جرير قال صلى الله عليه وسلم: (( يا عمّ ! إنيّ أريدهم على كلمة واحدة يقولونها ، تدين لهم بها العرب ، وتؤدّي إليهم بها العجم الجزية ) )، ففزعوا لكلمته ولقوله ، فقال القوم كلمة واحدة ! نعم وأبيك عشرًا ! فقالوا: وما هي ؟ وقال أبو طالب: وأيّ كلمة هي يا ابن أخي ؟ قال صلى الله عليه وسلم: (( لا إله إلا الله ) )فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهو يقولون: (( أجعل الآلهة إلها واحدا ؟ إن هذا لشيء عجاب ) )قال ابن كثير: ورواه أحمد والنسائي و الترمذي ، وقال الترمذي: حسن (3) و الشاهد من الحديث قوله صلى الله عليه وسلم لمشيخة قومه: (( لا إله إلا الله ، كلمة تدين لكم بها العرب ، وتملكون بها العجم ، أو تؤدّي لكم بها العجم الجزية ) )يعني أنّ العرب إنّما تدين بالسّمع و الطّاعة لأهل التوحيد ، و بالتّوحيد يكون العرب أئمة وملوكًا ، وهذا ما يشهد به الوقع التاريخيّ.

فلقد كانت العرب تأنف أن يعطي بعضها بعضا طاعة الإمارة ، كما قال الشّافعي رحمه الله: (( كلّ من كان حول مكّة من العرب لم يكن يعرف إمارة ، وكانت تأنف أن يعطي بعضُها بعضًا طاعة الإمارة ) ) (1)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت