6. ( مجلس التعاون لدول الخليج العربي ) تَوَجُّه إيجابي نحو تحقيق الجماعة .
* الخلاصة .
* المراجع .
* الفهرس .
1.الجماعة قضيّة متفق على طلبها في الجملة
الجماعة قضيّة متفق على طلبها ضرورة في الجملة ، وبيان ذلك:
أن الإنسان: همّام وحارث ، يتحرّك بالإرادة بالمحبة و البغض ، طلبًا لما يسعده ويلائمه ويلتذّ به ، وهربًا مما يشقيه وينافره وينفر منه ، فحركته الإرادية تتبع حبّه وبغضه ، يحبّ ما ينفعه ، فيتحرّك له طلبًا ، ويبغض ما يضره فيتحرك عنه هربًا ، وهو لا يعيش بذلك منفردًا ، بل لا بد له من الاجتماع و التعاون مع بني جنسه ليعيش ، كما قيل:
الناس للناس من بدو وحاضرة بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
وأبلغ من ذلك قول الله تعالى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) ."الزخرف: 32".
فالاجتماع الإنساني ضروري للحياة ، لأنّ الله سبحانه خلق الإنسان وركّبه على صورة ضعيفة كما قال الله تعالى: (يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا) "النساء: 28"فمن حكمه الله عز وجل في هذه الحياة أن خلق الإنسان وركّبه على صورة ضعيفة وأعطاه قدرة قاصرة ، لا تقوم حياته ولا يتمّ بقاؤه بها ، لأنّ قدرته قاصرة عن تحصيل حاجته من مادّة حياته ، وقاصرة عن الدّفاع عن نفسه إلاّ بالاستعانة بأبناء جنسه ، و بالتعاون فيما بينهم تحصل مصلحتهم الضرورية ، ولا يتم ذلك بالتعاون إلاّ بالاجتماع و الجماعة ، وبغير الجماعة لا تتم لهم الحياة الاجتماعية الحضارية المدنية ، سياسيًا واقتصاديًا وتربويًا ، وبغير الجماعة لا يحصل لهم ما يريدونه من المحبوب ، ولا يندفع عنهم ما لا يريدونه من المكروه ، وبغير الجماعة تبطل الحكمة العليا في بقاء الإنسان وحفظ نوعه ، لما أراد الله تعالى من اعتمار العالم به ، واستخلافه إياه في الأرض ، وهذا الاجتماع و الجماعة لا تكون إلا باجتماعهم على أمير منهم ، يسمعون له ويطيعون ، وتكون له الغلبة و السّلطان عليهم ، و اليد القاهرة الوازع ، الذي يدفع بعضهم عن بعض حتى لا يصل أحد منهم إلى غيره بعدوان ، لما في طباعهم الحيوانية من العدوان و الظّلم و الجهل ، قال الله تعالى: (إذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ) "البقرة: 246: ."
وبهذه يتبين أن الجماعة لبني الإنسان خاصة من خواصهم ، لا بدّ لهم منها بمقتضى الفكرة و السياسة والإرداة ، وقد توجد خاصة الجماعة و الاجتماع في بعض الحيوانات العجم ، كما في الجراد و النحل و الطير وغيرها ، لما استقرئ فيها من اجتماعها على الانقياد و الاتباع لرئيس من أشخاصها متميز عنهم في خلقه وجثمانه ، إلاّ أنّ ذلك موجود في غير الإنسان بمقتضى الفطرة و الهداية القدرية الكونية ، لا بمقتضى الفكرة و السياسة و الهداية الشرعية الاختيارية ، كما في بني الإنسان ، فسبحان الله (الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) "طه: 50"، ولا بدّ للبشر ، لكي تتم مصلحتهم الاجتماعية ، من تشريع يرجع إليه ويحكم به عند الاختلاف ، وذلك التشريع يكون بشرع واجبات ومحظورات تلتزم دينًا مفروضًا على الجميع ، يدان به كلّ مخالف جزاءً وحسابًا ، وهذا هو الدين المشترك بين الجماعة ، دينًا رضوه لأنفسهم باختيارهم ، وهو: إمّا دين أذن الله به ، أو لم يأذن الله به ، لكنه أصبح دينًا اجتمعوا عليه ، قد يكون باطلًا فاسدًا في مآله ، إذ آل إلى مضرّة لهم خالصة ، أو آل إلى مضرّة لهم راجحة على منفعته ، وقد يكون دين حقّ رضيه الله لهم ، إمّا لأنّ منفعته خالصة أو لأنّها راجحة (1) .
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: (( كلّ طائفة من بني آدم لا بد لهم من دين يجمعهم إذ لا غنى لبعضهم عن بعض ، وأحدهم لا يستقل بجلب منفعته ودفع مضرّته ، فلا بد من اجتماعهم ، وإذا اجتمعوا فلا بد أن يشتركوا في اجتلاب ما ينفعهم كّلهم ، مثل نزول المطر ، وذلك محبّتهم له , وفي دفع ما يضرهم مثل عدوّهم ، وذلك بعضهم له ، فصار ولا بدّ أن يشتركوا في محّبة شيء عامّ ، وهذا هو دينهم مثل عدوّهم ، وذلك بغضهم له ، فصار ولا بدّ أن يشتركوا في محبة شيء عامّ ، وهذا هو دينهم المشترك العامّ ، وأمّا اختصاص كلّ منهم بمحبّة ما يأكله وبشربه وينكحه ، وطلب ما يستره باللّباس ، فهذا يشتركون في نوعه لا في شخصه ، بل كلّ منهم يحبّ نظير ما يحبّه الآخر لا عينه ، بل كلّ منهم لا ينتفع في أكله و شربه ونكاحه ولباسه بعين ما ينتفع به الآخر ، بل بنظيره .
وهكذا هي الأمور السّماويّة في الحقيقة ، فإنّ عين المطر الذي ينزل في أرض هذا ، ليس هو عين الذي ينزل في أرض هذا ، ولكن نيره ، ولا عين الهواء البارد الذي يصيب جسد أحدهم ، قد لايكون نفس عين الهواء البارد الذي يصيب جسد الآخر ، بل نظيره ، لكنّ الأمور السماوية تقع مشتركة عامة ، ولهذا تعلق حبّهم وبغضهم بها عامة مشتركة بخلاف الأمور التي تتعلق بأفعالهم كالطعام واللّباس ، فقد تقع مختصّة ، و قد تقع مشتركة .
وإذا كان كذلك فالأمور التي يحتاجون إليها ، يحتاجون أن يوجبوها على أنفسهم ، والأمور التي تضرهم ، يحتاجون أن يحرّموها على نفوسهم ، وذلك دينهم ، وذلك لا يكون إلا باتّفاقهم على ذلك ، وهو التعاهد و التّعاقد ، ولهذا جاء في الحديث: ( لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له ) (1) .
فهذا هو الدّين المشترك بين جميع بني آدم ، من التزام واجبات ومحرمات ، و الوفاء بالعهد و العقد ، وهذا قد يكون باطلًا وفاسدًا ، إذا كان فيه مضرّة لهم راجحة على منفعته ، وقد يكون دين حقّ إذا كانت منفعته خالصة أو راجحة ، قال تعالى:
(لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) "الكافرون: 60"، وقال تعالى: (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ ) يوسف: 76"أي في قانون الملك ، وقال تعالى: (وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ ) "التوبة: 29"والدّين الحقّ هو طاعة الله وعبادته . . . ولا يستحقّ أحد أن يُعبد ويطاع على الإطلاق إلاّ الله ، وحده لا شريك له ، ورسله وأولو الأمر أطيعوا ، لأنهم يأمرون بطاعة الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: (( من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن أطاع أميري فقد أطاعني ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن عصى أميري فقد عصاني ) )."